أخبار الهدهد

يوم قال كديرة للصحافي عبد الكبير العلوي الإسماعيلي: يلزمك 20 سنة لتكتب « كيف يفكر الحسن الثاني؟ »

lun 13 Jan 2020 à 19:29

عبد العزيز كوكاس
البشر مثل الأمكنة، هناك أمكنة نقيم فيها ولا تقيم فينا وهناك أمكنة لا نقيم فيها وتقيم فينا، والمرحوم عبد الكبير العلوي الإسماعيلي صحافي عشنا معه وعاش معنا، كان مثل النديم الذي يعرفه كُشاجم بكونه « الصديق الذي تندم على فراقه كل لقاء »، فجأة فيما يشبه حوادث السير المفاجئة رحل عنا، كنا على لقاء فتركني في منتصف الطريق إليه.. هكذا هو الموت دوما مفجع وحزين، لكن في بعض المواقف يأتي مفاجئا ومباغتا، وآخر ما تفكر أن يحصل.. لعله مكر الحياة وغوايتها.
يوم الثلاثاء 8 أكتوبر الماضي جاءني صوته واضحا كما الصحو غير المثير للضجر، برغم بعض العياء والتعب الذي اعتدته في صوته خلال عشرتنا الطويلة لأكثر من 24 سنة من كثرة إفناء ذاته بشكل سيزيفي في العمل.. أخبرني بصدور كتاب لمنشورات الزمن لفليب بلوك الموسوم ب »الحرب المقدسة »، أعجب بجودة طباعته.. تحدث عنه كما لو يتحدث عن مولود جديد له، عرض علي الغداء بمنزله فاعتذرت بسبب التزام سابق، وتواعدنا مع الرابعة ونصف..
مع الساعة الثالثة زوالا، هاتفني الزميل إدريس العيساوي، وقال لي بأنه يجب أن نداوم على لقاءاتنا لأن الموت بدأ يأكل منا، وأضاف بلهجة حزينة: « لقد توفي اليوم صديقك عبد الكبير العلوي الإسماعيلي ».. تجمد الدم في قلبي وشردت لبرهة، ولم أستفق إلا والزميل إدريس ينبهني إلى وجوده على الطرف الآخر من الخط، فقلت له: « مستحيل، إننا تواعدنا على اللقاء وأنا في الطريق إليه وكنت في مكالمة معه ».. وكما لو أحدث شكي زلزالا في يقينه، تعامل الزميل إدريس العيساوي بحدس الصحافي، تردد قليلا ثم قال لي: « سأتأكد من الأمر »، بحكم أنه يسكن في ذات الحي.
في اللحظة التي اقتربت فيها من هرهورة عاود العيساوي الاتصال ليؤكد لي وفاة مولاي عبد الكبير العلوي، أصبت بالانصعاق، كيف يمكن أن يكون الموت بكل هذا الدهاء؟ أن يباغتنا في الزمان والذي لا نتوقعه؟ ما أن وصلت باب إقامته الذي وجدته على غير العادة مغلقا حتى صدقت حقيقة الفاجعة، تقدم مني شخص يخدم المرحوم، وقال لي: عزاؤنا واحد لقد توفي المرحوم..
مر كل شيء أمام عيني: يوم أول لقاء عام 1994، زهده اللا يوصف، تدخينه الشره بلا حدود قبل سبع سنوات، جلساتنا في منزله رفقة الراحل عبد الجبار السحيمي، نور الدين أفاية، سعد الدين العثماني، محمد ضريف، محمد الساسي… نقاشاتنا حتى وقت متأخر من الليل وجها لوجه، اختلافاتنا في الكثير من المواضيع، توجيهاته السديدة، سفرياتنا المتعددة، أحلامنا وإحباطاتنا المشتركة… أتذكر كيف حوّل منزله بالهرهورة إلى قبلة لكل أصناف الصحافيين داخل وخارج المغرب، ولكل ألوان الطيف الحزبي والسياسي عامة والفكري والنقابي، كان الأمر أشبه بتهريب أحلامه بمغرب متعدد ومؤتلف في عز اختلافه وتنوعه المخصب.. إلى هذا الحيز من إقامته.
أتذكر ما قام به جان كوكتو عندما كتب يوما سيناريو فلم يتصور فيه موته المسبق وتوجه إلى أصدقائه وضمنهم، أندري بروتون وموديغلياني وبيكاسو الذي وقف يبكي بقوة، ليقول لهم: « لا، لا تبكوا هكذا، تظاهروا فقط بالبكاء، فالشعراء لا يموتون، إنهم يتظاهرون بالموت فقط ».. يمكن أن نحور قليلا كلام كوكتو لنقول: إن المبدعين في كل المجالات لا يموتون، والمرحوم عبد الكبير العلوي كان مبدعا في الصحافة وفي النشر وساهم في إبراز يراعات كثيرة في ميادين فكرية وإبداعية وثقافية عديدة.. لم يكن يحلم الكثيرون بأن يروا إبداعاتهم وإنتاجاتهم الثقافية الجادة تعرف طريقها إلى النشر خارج منشورات الزمن، في ظل سلطة التفاهة وثقافة « الهميزات »، لقد كان مرسولا ثقافيا مبدعا بصحبة الرائع محمد سبيلا ذي الأيادي الطيبة على الفكر المغربي.
بعض الأسماء حين نأتي بها إلى الوجود تكون مثل الوسام الشرفي الذي نفتخر به ونجني من وراء حمله امتيازات لا حصر لها، لكن في حال عبد الكبير العلوي الإسماعيلي السجلماسي، لم تكن شجرة أنسابه إلا لتحمله كلفة باهظة أداها بالتقسيط المريح وما شكى.. بقدر تكلفة عشق وطن، لقد ورطه اسمه في مسؤوليات عديدة وفي حرقة قلب، بدل الامتيازات التي يجري وراءها « الشرفا » المزيفون من درجة ثانية وثالثة، ظل يتصرف كصحافي حر وكرجل دولة، كان أول صحافي مغربي يشتغل في الصحافة الدولية، بدءا بالدوتشي فيلي » الألمانية، في ذات الآن كانت له ارتباطات قوية داخل الدولة وداخل الأحزاب السياسية خاصة حزب الاستقلال، وهو ما كنت دوما أستغربه فيه، وأمازحه: كيف يمكن أن يجتمع في ذات الشخص، الصحافي المستقل ورجل الدولة وهما على خصام دائم؟ عام 1995 كانت جريدة « الزمن » قد نشرت على غلاف أحد أعدادها عنوانا صادما يومها بجرأة قوية: « كيف يفكر الحسن الثاني؟ » استدعى المستشار الملكي أحمد رضى اكديرة إلى مكتبه عبد الكبير العلوي بصفته مديرا للنشر، كانت الجلسة ساخنة ولم تخل من تهديد مبطن، مثل شفرة حلاقة وسط القطن، قال له اكديرة: « يلزمك أن تنتظر 20 عاما لتتجرأ وتكتب عنوانا مثل الذين نشرت »..
عبد الكبير العلوي الإسماعيلي ومحمد سبيلا وعبد العزيز موكاس
لقد صدق عبد الفتاح كيليطو حين قال في « لسان آدم »: « من يموتون يضعون حيلة خبيثة نحو الأحياء، يتوارون تاركين لهؤلاء مهمة تفسير فكرهم، أي أن يتجادلوا حول ما قالوه وما كان ممكنا أن يقولوه، وما كان عليهم أن يقولوه، بل وحول ما لم يقولوه أبدا ».. أو كما قال كارل ماركس ليس علينا أن نعاني فقط الآلام بسبب الأحياء، وإنما بسبب الموتى أيضا « فالميت يمسك بالحي ».. رحل عبد الكبير العلوي وفي جعبته الكثير مما كان يجب أن يبوح به، لقد كان أحد الصحافيين القلائل الذين يعرفون الخبايا العميقة لملف الصحراء، وظللت صحبة الصديق المفكر محمد سبيلا نحرضه على كتابة مذكراته لتعميم الفائدة، لكنه ظل يجيبنا بمكر: « سأكتبها حين تتبقى لي من العمر بضعة أشهر فقط، سأتفاوض مع الموت ليمهلني حتى أنهيها ».. كان ملف الصحراء بالنسبة له أقدس القداس، في كل تحركاته الدولية والوطنية، فهمه العميق للسياسات الدولية وإسقاطاتها على الوضع الداخلي لا يجاريه فيه أي صحافي مغربي باستثناء محمد باهي الذي كان يجله ويقدره.. وكان حاضرا في جل الندوات الصحافية التي كان يعقدها الحسن الثاني، مرة في قصره بالصخيرات على هامش انعقاد قمة فاس، أراد الملك الراحل أن يختم الندوة الصحافية فقال: آخر سؤال سيطرحه الإخوة اليمنيون ونختم الندوة »، فرفع أصبعه، وأعطاه الحسن الثاني الكلمة، فقدم نفسه: « عبد الكبير العلوي من الدوتشيفيلي الألمانية »، فقاطعه الملك الراحل: « ولكن أنت مغربي، العلوي، هذا الاسم مغربي؟ وأنا قلت آخر سؤال للصحافيين اليمنيين؟ » وبسرعة بديهته رد عبد الكبير العلوي: « نعم سيدنا، حين بحثت وجدت أن العلويين أصلهم من اليمن »، فضحك الملك الراحل وسمح له بطرح السؤال..
كان الراحل كبيرا بحجم اسمه، وربما عانى وزر حمل لعنة اسمه لتعلو قامته كثيرا حتى يكون جديرا بحمل اسم الكبير، وأعتقد أن المواليد الذين جاؤوا إلى العالم بمناسبة العيد الكبير، أو تسموا باسم عيد الأضحى تيمنا بإسماعيل.. كان لزاما على معظمهم أن يحمل بعد التضحية في وشم حياتهم، وعبد الكبير العلوي الإسماعيلي كان بحجم اسمه، في مساره هناك انعطافات أشبه بالمفارقات، جاء من الهامش الفقير، مقصيا كان إلى قلب العاصمة الإسماعيلية، ومن شعبة العلوم الرياضية التي كان يبز فيها جميع أقرانه قدم إلى الصحافة، هاجر إلى ألمانيا، حيث اهتم بالسياسة الدولية وكان في قلب محطات أساسية في القضايا العربية والوطنية، ومن بلاد بسمارك وفريدريك الأكبر جاء إلى الرباط، كان يؤمن بشكل قوي بالإصلاح من الداخل بهدوء، ولما أحس بالدسائس الكبرى في مرحلة حرجة داخل مربع القرار التي كان مرتبطا بقمتها، قرر إنشاء أول جريدة مستقلة، « الزمن » التي جلب تصورها من اسم جريدة ألمانية شهيرة كان مفتونا بها اسمها  » Zeitung » والتي تعني « الصحيفة » وzeit تعني بالألمانية الزمن.. تلك الجريدة التي لم تنج من السهام وحراب وسم الخيانات على عهد سلطة الصحافة الحزبية حيث كان يبدو كل ما هو خارج هيمنة الأحزاب الوطنية أو الديمقراطية أو الإدارية مشكوك في انتسابه ومدان حتى تثبت براءته! وقدر لعبد الكبير العلوي برغم كل خدماته لوطنه، أن يمارس عليه الكثير من الإقصاء والتهميش برغم الاحترام الذي ظل يكنه له رموز الفكر والثقافة والطهرانيون من السياسيين والإعلاميين..
« مأساة الحياة أن الإنسان لا يصل إلى النضج الحقيقي، وإلى احتمال قدرته على أن يعطي أقصى ما يستطيع، إلا عندما يقترب من نهايتها، كالنحل كُتب عليه الموت بعد الإخصاب ».. هكذا كان حال الراحل عبد الكبير العلوي الإسماعيلي، حتى يوم مماته ونحن نتحدث في الهاتف حول العمل، حزمة كبيرة من الكتب كان يعكف على إصدارها، لكن هل مات مولاي عبد الكبير العلوي؟ « إننا لا نموت حين نريد، ولكن حين نستطيع » كما قال بطل « مائة عام من العزلة ».
كانت التقارير الطبية تعطيه اطمئنانا إلاهيا للخلود، وكان يردد دوما « نحن العلويين نسل لا يفنى »، لذلك لم يترفق بنفسه، وحين كنت ألتمس منه أن يعطي لنفسه بعض الراحة، كان يردد بمرح: « سوف أتفاوض مع عزرائيل أن ينذرني بقرب موتي بأربعة أشهر، حتى أنجز ما بذمة هذا الوطن علي »، كان زاهدا في الحياة ميالا للعميق في قلب الروح، لذلك آخى شطآن العزلة وصادق ضفاف وحدته التي غدت أبدية..
وهو القادم من قلب ثقافة الشعب الألماني الذي كان يقدم الحطب اللازم لتدفئة العالم من فكر وفلسفة، كان يعي في سره وعلنه حكمة كانط وهو يقول: « ليس الموت إلا القناع الذي يخفي نشاطاً أكثر عمقاً وأقوى مغزى، وأن ما يسميه القانون بالموت هو المظهر المرئي لحياتي وهذه الحياة هي الحياة الأخلاقية.. وما يسمى بالموت لا يمكن أن يقطع عملي، لأن عملي ينبغي أن ينجز لأنني يتعين علي أن أقوم بمهمتي، فليس هناك حد لحياتي وأنني خالد »، لذلك استغربنا كيف قطع سلسلة حواراته في كرسي الاعتراف مع يومية « المساء »، كيف كان خلال كل مراحل الاستجواب مترددا فيما يجب أن يقال وما لا يجب أن ينقال بحكم استمرار تأثير ما سيقوله في الحاضر، وفي اللحظة التي كان الأستاذ محمد سبيلا يسائله دوما: لماذا تحرم المغرب من صحافي من حجم حسنين هيكل؟ ويكتب ما يعرفه من خبايا مما كان يحكيه لنا أو مما رواه لي شخصيا الراحل محمد بوستة، كان يردد بنوع من السخرية، بأنه لا زال لديه ما يفعله في الحياة، وأن هناك أشياء كثيرة تنتظره، أحلام أرقته، مثل جلب جامعة ألمانية إلى مكناس كنوع من الوفاء للمدينة التي عشقها، أو تطوير سلسلة إصدارات الزمن، وتأسيس معهد الزمن للدراسات الإستراتيجية والفكرية، وحين كان يلح عليه أخوه رشيد بكتابة الأسرار التي كان يحكي لنا عنها في قلب الدولة وفي دهاليز ملفات كبرى تهم ماضي وحاضر البلد، كان يقول له بمكر: « سوف أكتبها حين لا يتبقى في عمري سوى النزر القليل »..
كان الراحل عبد الكبير العلوي زاهدا في كل شيء، ترك متاع الدنيا هناك في ألمانيا ورفاه حياة خبرها بعمق وجاء إلى المغرب بروح وطنية عالية، ظل مقترا على نفسه في كل شيء، حتى في الفيلا الواسعة التي كان يقطنها، ظل لا يغادر بيتا صغيرا أسماه أخوه رشيد ب »قبة مولاي الكبير » كما كان يحب أن يناديه، وكنت الوحيد الذي أصر على أن نجلس في الفضاء الواسع بدل الغرفة الضيقة الأشبه بالزنزانة، والتي قدر له أن يموت فيها باطمئنان الكبار، مات شامخا وبهدوء الأطفال حين ينامون والابتسامة لا تغادر محياهم.. مرة في عز أزمة مالية خانقة اجتاحت جريدة « الزمن »، زارنا في مقر إقامته بهرهورة رجل وازن في الفضائح وهو يحمل حقيبة مالية، في عز انتخابات 25 يونيو 1996، وعرض عليه مبلغا ماليا مقابل خدمته إعلاميا في الانتخابات، كان عقلي عاجزا عن استيعاب تفاصيل ما يحدث أمامي وفي لحظة حلت بالراحل نوبة غضب جهنمية فطرد مضيفه الأنيق بعبارات السب والشتم لم أعهد سماعها منه، وظل يردد وهو يصفق الباب وراء الرجل الذي بدا صغيرا وحقيرا حتى لم يعد يرى وهو يدخن بشراهة: « بلقمار لاخر.. سيادك وما شراونيش عاد تجي آبلمخار لاخر باش تشريني »، برغم كل التشويش الذي كان يصلني عن الراحل عبد الكبير العلوي الإسماعيلي فإني أكبرت فيه هذا الموقف وسما في عيني..
وأنا أتأمل بورتريه الراحل عبد الكبير العلوي الإسماعيلي، الذي أصر الفنان التشكيلي محمد السالمي بلمسته الإبداعية على أن يعيده إلينا فنيا فيما يشبه استدامة حضوره، بابتسامته الهادئة خارج تلك الغضبة الفيلالية المضرية التي كانت تجتاحه في زحمة العمل، أو وهو يحك رأسه كمن يستحث فكرة على الخروج باستعجال، بكلامه الهادئ المشوب بلحظات بياض كمن يبحث عن الكلمات المناسبة لوهج الروح بلا خطأ في الحساب، أقول لأخوية عزيز ورشيد بعد واجب العزاء: إذا كانت النفوس لا تموت، فمن الخير ألا يكون ما هو مفرط في وداعها، فالحب أقوى من الموت.. أو كما قال جورج باطاي ف »الموت مجرد تشويش على نظام الأشياء »، فما أصعب الفقد على فؤاد هش مثل قبلة خريف، لكن مع ذلك فهي تدور، ويجب أن تكونوا جديرين بالانتماء للكبير بمثل حجم الوفاء الذي ظل يكنه لوطنه.