أخبار الهدهد

إلى روح محمد أديب السلاوي: لن أموت قبل أن أموت!!

jeu 13 Août 2020 à 17:37

بقلم: أحمـــد فطـــري
هكذا كان يردد زعيم التحرير علال الفاسي عندما كان ينصحه الأطباء بالخلود إلى الراحة وملازمة البيت إثر إصابته بوعكة صحية في أواخر حياته يرحمه الله تعالى؛ وهي الجملة نفسها التي جمعت بيني وبين المرحوم محمد أديب السلاوي في أخر اتصال هاتفي جمع بيننا قبل وفاته بأيام قليلة.
كان الأخ السلاوي قد بعث لي عبر وسائل التواصل الاجتماعي برسالة مفصلة يبسط من خلالها مشروعه الذي سبق له أن تقدم به لوزارة الثقافة منذ أزيد من سنة، ثم أعاد تقديمه لها مؤخرا مرة أخرى، والذي يقترح فيه التعاون مع الوزارة المعنية من أجل إصدار (كتاب جيب أسبوعي) لمؤلفين مغاربة في مجالات ثقافية وفكرية وعلمية وفنية مختلفة، على أن يكون ثمن هذا الكتاب محددا ومناسبا وثابتا.
بتأنٍ وتُؤدة قرأت فحوى المراسلة، التي لا شك أن المرحوم قد بعث بها إلى كل الغيورين على الثقافة في بلادنا، والتي يطلب فيها مساعدته معنويا من أجل جمع توقيعات المهتمين والمؤازرين لمضمونها قبل رفعها إلى الدوائر المسؤولة.
ثم أخذت الهاتف واتصلت توّاً بصاحب المشروع، الذي رد علي بترحاب كبير وتأدب لطيف كعادته؛ وكيف لا، وهو الذي يحمل اسم (أديب)، وتسكن جوارحه كلها مشاغل وهموم (الثقافة) بمعانيها المتنوعة؟؟
وبعد المقدمة خضنا في موضوع المشروع المثالي مطولا، فشرح لي الأستاذ السلاوي بتفصيل أهداف مشروعه هذا، الذي عانى متاعب كثيرة وطويلة في سبيل تبليغه وبسطه للمسؤولين عن الثقافة عندنا، الذين لم يجد – مع الأسف الشديد- لدى معظمهم ما كان ينتظره من التجاوب المطلوب والتفاعل الايجابي، عدا التسويف والمماطلة!!
في إطار (مؤسسة محمد أديب السلاوي للحوار والثقافة والفنون) بلورة الراحل حلمه، الذي (يتعلق بإصدار كتاب أسبوعي للجيب بسعر تنافسي <<عشرة دراهم>> من أجل دعم ثقافة القراءة بالمدارس والأندية الثقافية والرياضية والفنية ومنتديات الشباب في مختلف جهات المملكة)؛ وذلك استفادةً من تجارب مماثلة ناجحة عرفتها عدد من الدول الأوروبية والأمريكية، وكان لها تأثير إيجابي واضح على نشر العلوم والثقافة في تلك الدول، إضافة إلى الاعتقاد بأن هذه الكتب الخفيفة والمركزة هي التي قد تجد مكانتها في زمن الانترنيت والحاسوب ووسائل التواصل الحديثة؛ نظرا لكونها كتباً تُحمل في الجيب ويمكن قراءتها في البيت كما في المقهى والحديقة والحافلة أيضا.
وكان من أهداف المؤسسة عندما وضعت هذا المشروع: (ترسيخ القراءة في مجتمعنا الذي يعاني منذ عقود طويلة من حالة الجمود وهيمنة الأمية المعرفية على مؤسساته الاجتماعية والسياسية، حيث تغيب القراءة وحبها على التلاميذ والطلبة والمعلمين وعلى كافة الفئات الشعبية)، على أمل أن يساهم في إنجاح هذه التجربة سائر المثقفين والباحثين والفنانين والنقاد والعلاماء والفقهاء المغاربة.
كما كان من أهداف المؤسسة كذلك (أن يكون الكتاب الأسبوعي مرآة لمطامحنا الوطنية، ومرآة لقيمنا، نبلور من خلالها أمجاد نظامنا السياسي ورؤيتنا لمغرب اليوم ومغرب المستقبل، وأن نجعل منها حوارا بين أجيال المغرب المتعاقبة.).
ولأن المؤسسة اعتبرت أن كتاب الجيب يوازي الأمن الغدائي للدولة، فقد كان رهانها (هو تحويل القراءة إلى سلوك ثقافي وعادة اجتماعية وقيمة من القيم)، ولذلك فإنها عندما قدمت مشروعها هذا لوزارة الثقافة قدمت معه لائحة كاملة بخمسين عنوان كتاب مقترح في مواضيع مختلفة لمؤلفين مغاربة بالنسبة لسنة الانطلاقة الأولى المحتملة، كما قدمت معه دراسة متكاملة عن تكلفة المشروع السنوية ونوعية الطباعة وما إلى ذلك من جزئيات تفصيلية تكميلية…
تلك هي الخطوط العريضة للمشروع الثقافي الذي قدمته مؤسسة محمد أديب السلاوي لوزارة الثقافة مرتين متتاليتين، دون أن تجد من المسؤولين الآذان المصغية والاهتمام اللازم من أجل دعم هذا المشروع الجاد والمشاركة فيه ومتابعته، بل كانت ردود هؤلاء المسؤولين مليئة بالتلكؤ والوعود الفارغة؛ مما قرر معه الأستاذ السلاوي قبل وفاته بأيام قليلة أن يرفع هذا المشروع إلى جلالة الملك وحكومته، وإلى كل من يعنيه الأمر من المثقفين المغاربة، ومن خلالهم إلى الرأي العام الوطني كافة.
لقد أرَّق هذا المشروع / الحلم صاحبه زمنا، كما أخذ منا في آخر اتصال هاتفي بيننا وقتا طويلا، كنت خلاله شديد الإعجاب بالحماس الكبير الذي كان يتكلم به محمد أديب السلاوي عن مشروعه هذا، مفصِّلا وموضِّحا ومؤكِّدا على أنه لن يملَّ أو يكلَّ ولن يهدأ له بال ما دام حيا حتى يرى مشروعه على أرض الواقع مَنفذاً.
هنَّأته على صموده واستماتته وذكَّرته بالمقولة التي كان الزعيم علال الفاسي يرددها: (لن أموت قبل أن أموت).
وافقني الرأي قبل أن أودعه وهو واثق تماما من أن مشروعه سيرى النور قريبا بدعم من الديوان الملكي بمجرد ما يتم رفعه إليه، بعد جمع أكبر عدد من توقيعات المثقفين والمهتمين الذين يساندونه!!؟؟
ثم فجأة، يغيب عنا صاحب هذا المشروع الثقافي ليصبح مجرد ذكرى!! مخلفا وراءه عشرات المؤلفات والأبحاث والدراسات في مجالات فكرية متنوعة؛ ولعل أهم ما يمكن أن تقوم به (مؤسسة محمد أديب السلاوي) قصد تخليد ذكراه بعد رحيله، بتعاون مع أصدقائه وتلامذته ومحبيه، وبشراكة مع الوزارة الوصية، هو أن تسهر على متابعة الخطى الحثيثة من أجل أن يرى النور بالفعل (كتاب الجيب الأسبوعي) المشروع / الحلم للراحل العزيز يرحمه الله تعالى.