أخبار الهدهد

مستقبل العلاقات الدولية بعد جائحة كورونا

jeu 17 Sep 2020 à 19:32

يوسف اليوسفي
أستاذ وباحث في الفلسفة والعلوم الانسانية

من كان يتوقع أن تفعل كورونا كل هذا بالعالم، أن تكشف ضعف الأنظمة الاستبدادية عبر العالم ، و أن تعري غطاء الديموقراطية، و تكشف الوجه الحقيقي للنظام العالمي ذي التوجه التوسعي الامبريالي المحض، عالم تحكمه الكوبوقراطية ( الشركات العابرة للقارات) . عالم تهيمن فيه الرأسمالية، و تسيطر فيه الأفكار الكولونيالية الملازمة للانجليز منذ فجر النهضة و التي ورثها النظام الامريكي الحديث، عالم يحكمه القاتلون الاقتصاديون حسب صاحب كتاب « اعترافات قاتل اقتصادي » بركينز ، عالم تسيطر فيه الاجهزة المخابراتية لدرجة أن تستطيع أن تغير أنظمة بأخرى، أن تستبدل حاكما بآخر، أن تقنع العالم بما لها عن طريق البروباجندا الحمراء و من لا يعرف آليات هيمنتها؟ عليه أن يطالع كتب التاريخ و الفكر و أن يفتح أبوابا جديدة للعلم و المعرفة ..مجرد مطالعة كتب في السياسة العالمية قد تكفي لتفهم ماذا يريد العالم اليوم؟ لكن هل توقع مستشرفوا هذا العالم و منظروه الاقتصاديون أن يتوقعوا انهياره بسبب فيروس قاتل مخلوق من مجرد مادة نووية بسيطة؟ هل كان أحدنا يتوقع انهيار اقتصادات العالم ؟ هل انتظرنا في ظل هيمنة هذا النظام أن تصبح الشركات البترولية مهددة بالتوقف عن الانتاج ؟
صدفة تعلقت الحياة هناك في تلك اللحظة بالذات حيث لزم الكل بيته خوفا و رهبة من فيروس غير محدد الشكل و الخصال و الصفات . توقف الجميع حائرا باحثا و سائلا عن أين كل تلك المختبرات أم أنها مجرد لعبة في يد نظام عالمي يحدد آفاق عملها و اشتغالها ؟ هل فعلا عجز العلماء عن خلق مصل أو دواء للفيروس أم أن الطب تحكمه مافيا تقرر لحظة إنتاج الدواء و ساعة تمكين الناس منه ؟ تساؤلات يحق للعالم اليوم أن يطرحها بكل ما تحمل من معاني؟
فيروس بسيط في حجمه ، قوي في ضربه ، قاتل عند إصابته ، و من ينجو كأنه أعطي فرصة جديدة للحياة  » البداية من جديد ». لكنه كان أقوى مما توقعنا فقد فرض على العالم لحظة لمراجعة الحسابات و أية حسابات عندما يتداخل الاقتصادي بالسياسي و الثقافي و القيمي و العلمي، لحظة لنطرح الأسئلة التالية :
– هل العالم اليوم بكل مختبراته عاجز عن اكتشاف دواء لمجرد فيروس؟ هل القيم التي دافعت عنها الحداثة آيلة للزوال ؟ هل يحافظ العالم اليوم على نفس العلاقات الخارجية و بنفس النسق ؟
سأحاول أن أقدم بعض الاجابات عن هذه الأسئلة على المستوى الدولي و منه الوطني و انعكاسات كورونا على المستويين الخارجي و الداخلي و سأبدأ من حيث بدأ العالم التساؤل حول ماذا تستطيع المختبرات أن تنتج في اللحظة التي ندافع فيها عن عصر العلم و الفكر و التقنية و لكنه عصر كشفت كورونا عن حدود الفكر الانساني و عن حدود المدرَكات في ظل تطور العلم و المختبرات و نقول أنه و بحسب النص القرآني « فوق كل ذي علم عليم  » و نتمنى أن تواصل المختبرات تطورها في ظل ما نزال نعانيه من تهديدات رغم ما تقول بعض القراءات حول مدى صناعة الفيروس و التحكم فيه و توجيهه في ظل تدعيم نظرية المؤامرة التي نظل نعتبرها واحدة من القراءات رغم ما نسجل من ملاحظات حول هذه النظرية و بعض قراءاتها، و التي يصر البعض عن كونها تتحكم في منظمات عالمية و توجه عملها و خاصة منظمة الصحة العالمية التي نتمنى أن تعمل على دعم البحث العلمي و الطبي لكي نعبر إلى بر الأمان. رغم أن هذا الفيروس قد يخلق نظاما صحيا جديدا عبر العالم تكون فيه الكلمة الفصل للباحث و ليس للمنظمات إذ لا يجوز احتكار الأدوية و توجيهها كما حدث في زمن الحصار الذي فرض على العراق بحسب كتاب النظام العالمي الجديد و الذي يؤرخ لشهادات كبار الساسة في موضوع الادوية و احتكارها. و ها قد جاءت كورونا كي تقول للعالم كفى احتكارا في شتى المجالات.
في المجال السياسي و السياسات الدولية لست هنا لأطيل بل سأكون موجزا ما استطعت إذ يبدو لي الأمر واضحا ففي ظل الأزمة التي عاشتها دول الاتحاد الاوروبي تخلت أعضاء منه عن إخوتها و تمادت حتى في قرصنة مساعدات موجهة لها و هذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن الاتحاد الاوروبي الذي وضع أسسه كتنظيم « كراوس » يحتضر بسبب فيروس كورونا و لابد سيفرض على الدول الأعضاء فيه أن تراجع أسسه، هذا إن استطاع تجاوز الأزمة التي يعيشها. خاصة بعد انسحاب بريطانيا منه و هنا أسجل قراءتين :
– أولا : أنه و بعد فيروس كورونا سيكون مصير الاتحادات العالمية -الاتحاد الاوروبي نموذجا- إلى الزوال فالاتحاد الاوروبي سيصبح مجرد درس من دروس التاريخ.
– ثانيا : أن تعمل الدول الأعضاء على صياغة ميثاق جديد مع التصويت لصالح بعض الدول في الالتحاق به كتركيا و غيرها من الدول التي ابانت على علو كعب في ظل هذه الأزمة.
أما خارج اوروبا فإنه من المرجح أن تشهد موازن القوى تفاوتات و بالتالي مراجعات في العلاقات الدولية و ستكون جميع الدول في وضعية متساوية و متوازنة ما عليها إلا أن تستغل الوضع لغرض بناء علاقات دولية تخدمها و كذلك المغرب فعليه أن يعيد تسطير أولوياته الدولية و الانطلاق نحو لعب دور حيوي على المستوى الاقليمي و الافريقي و استغلال موارده البشرية القادرة على خلق الفارق على الصعيد الدولي ، الاقليمي ، الوطني ، و المحلي.
أما على المستوى القيمي و الثقافي فإن العالم اليوم يتجه نحو بناء قيم جديدة تغلب عليها قيم التضامن و التآزر و التآخي و القطع مع فكرة « الانسان ذئب لأخيه الانسان » و كذا القطع مع التوجه الفرداني القائل بالذاتية و الأنا و الاتجاه نحو العزلة و الوحدة لأن هذه القيم خلقت مجموعة من السلبيات أبرزها: تقليص الفضاء التواصلي و تقليص هامش الحرية الفردية و كذا تسريع وثيرة صناعة « الانسان الآلة » الذي صار مجرد روبوت مغلوب على أمره يسخر وفق غاية المشغل ، هذا الانسان الفاقد لذاته و الفاقد لانسانيته أدى إلى خلق قيم تغلب عليها المصلحة و الأنانية دون بحث القيم و الأخلاق و الخير في ما ينتج و ما يفعل. و هذا ما صار يتهددنا في هذه القرية الصغيرة التي كشفت ضعفها كورونا بكل شيء :
– حيث أدى الانتشار السريع للفيروس إلى الايمان بأن حياة البشرية متوقفة على حياة فرد واحد و أن مجرد فرد لا يؤمن بالتضامن سيعصف بما نصنع جميعا .
و ختاما سأكون متفائلا فيما يخص الأنظمة الحاكمة عبر العالم و سأقول أن هذا الفيروس لن يؤثر على هذه الأنظمة إلا في بعض الأنظمة الاستبدادية التي آن الآوان كي تراجع نفسها و تفتح المجال للبناء الديموقراطي في ظل ضعف التوجه الامبريالي و كشف سره الفظيع في ظل أزمة كورونا هذا التوجه القائل « أنا المواطن الامبريالي الكولونيالي أعمل ما في وسعي لسرقة المواطن المستعمر من أجل صالح مواطني الذي يدعمني بما أوتي من قوة، و نحن في هذا العالم نحكمه بما لنا من أسلحة ( الأنظمة الحاكمة المتورطة في بعض الفضائح و الفضائع، القوات العسكرية، التأييد الدولي الذي يخدم صالحي و أوجهه…الخ)
و عليه فإن كورونا تكون قد كشفت العالم و عرت الأنظمة الحاكمة تحت لواء نظام عالمي واحد يسخر في هيمنته الشركات الكبرى العابرة للقارات و كذا المؤسسات المالية الدولية.
و هنا لابد للأحزاب السياسية المغربية أن تتحمل مسؤوليتها في الدفاع عن المواطن و الترافع عنه من أجل بناء مغرب المؤسسات المستقلة و بناء مغرب الكفاءات.