أخبار الهدهد

عبد الرحيم التونسي أو « شارلو » المغرب: حزن الرجل الذي أضحك أجيالا من آبائنا وأجدادنا

dim 11 Oct 2020 à 18:42

حنان الأزمي
اشتهر بلباسه الفضفاض ومظهره الطفولي وحسه الهزلي ونبرة صوته المميزة، منذ صباه تعلم أبجديات الفكاهة والارتجال واستطاع أن يطبع تاريخ الإبداع الفكاهي في المغرب ببصماته الخاصة، ومنذ الستينيات بدأ مسيرته الفنية على خشبة المسرح، تشرب من نبع الركح وسلبه جنه، حتى سطع نجمه في سماء المغرب بأكمله، بل صار يجذب إليه جحافل المشاهدين، فأينما حل وارتحل الفكاهي تجمهر الناس من حوله واستمتعوا بسكيتشاته وأنصتوا إليه بانتباه شديد، بل إن صالات المسارح كانت تكتظ بالجماهير المحبة لشخصيته.
إنه الفنان الكوميدي عبد الرحيم التونسي الشهير بعبد الرؤوف الذي رأى النور سنة 1936 بسيدي فاتح بالمدينة القديمة، وكأبناء جيله تلقى تعليما تقليديا في المسيد، ليلتحق بعد ذلك بمدرسة أبناء أعيان المدينة التي حملت اسم ابن الرومي حاليا.. وشاءت الأقدار أن يفقد الطفل والدته وهو لا يتجاوز الثلاث سنوات.. حدث كان له عظيم التأثير في تغيير مسار التونسي الذي قرر أن يغادر مقاعد الدراسة وهو ابن 10 سنوات، ويكتوي بمرارة معاملة زوجة الأب التي كانت تعامل عبد الرحيم وأشقائه الثلاثة معاملة سيئة لم يقو على تحملها، وهو ما اضطره إلى الانتقال للعيش مع خالته لمدة قصيرة، لكنه سرعان ما عاد إلى كنف والده الذي تزوج امرأة أخرى، وهناك امتهن حرفة الميكانيك لمدة طويلة..
كبر الطفل وأضحى شابا، وتغيرت من حوله الأشياء والأحداث، بل لقد كتب له القدر أن يتحول من النضال على جبهة الحياة إلى النضال السياسي حيث التحق بصفوف الحركة الوطنية خاصة بعد نفي الملك الراحل محمد الخامس، إذ شارك التونسي في التظاهرات المطالبة باسترجاع الملك وتحرير الوطن من الاستعمار ..
في سنة 1954 سيسجن عبد الرؤوف ويقضي شهرا في الاعتقال تذوق معه صنوف التعذيب قبل أن يتقرر نقله رفقة سجناء آخرين إلى السجن المدني دون حكم، خلال تلك الفترة سيتعرض لضربة شديدة على مستوى الرأس كما سيحمل معه أثار مرض الربو التي ظل يدفع ضريبتهما فيما بعد..

سنة 1956 غداة حصول المغرب على الاستقلال، سيعانق عبد الرؤوف الحرية ويستثمر حرفة الصبا ليشتغل في مصنع للسيارات، لكن حادثة كسر في عموده الفقري ستكون بمثابة الفيصل الحاسم الذي جعل عبد الرؤوف ينتصر لحلمه الطفولي.

اختار « شارلو » المغرب أن يسلك مسار السخرية ونقد أوضاع المجتمع ببساطة تنأى عن التكلف، وودع الرجل عبد الرحيم التونسي بعد أن لبس جُبَّة « عبد الرؤوف » وتماهى معها ببساطته وعفويته التي استطاعت أن تدخل كل البيوت المغربية دونما استثناء، وفي تلك المرحلة اكتشف « عبد الرؤوف » طريقته الخاصة للتعبير عن واقع عصي على الإمساك، فقد وجد في هموم الشارع المغربي كنزا ثمينا ينهل منه موضوعات سكيتشاته التي حظيت بشعبية كبيرة ليطرحها برؤية إنسانية واجتماعية، وبلغة تنحو نحو البساطة التي تخفي وراءها ذكاء وتواضعا، واستطاع بحنكة متميزة مزج كل هذه الخصائص الفريدة في صوته الذي تميز بطفولية نادرة ومعبرة وجدت صداها في عمق المجتمع المغربي.

أجيال من المغاربة تعرفه حق المعرفة، راكم في مسيرته الفنية تجارب تشهد عليها سنوات السبعينيات والثمانينيات، قدم عروضه أمام الجنرال أوفقير في مسرح محمد الخامس عندما كانت تنظم سهرات لرجال الأمن مرة في كل سنة، كما كان الأمير الراحل مولاي عبد الله شغوفا بمتابعة عروض وسكيتشات عبد الرؤوف وكان يلعب أمامه ثلاث مرات في الشهر كما يقول في حوار سابق له مع « المشعل ». وخلال إحدى الجولات في ورزازات وبعض المدن المجاورة، تمت المناداة عليه فاضطر أن يوقف جولته يقول « غير كيجيني المرسول ديال الأمير عندي تنحبس ونمشي باش نلعب قدامو الله يرحمو.. وكان تايجلس معانا..وملي مات خدمت عند مراتو الأميرة لالة لمياء هي ووليداتها مولاي هشام ومولاي إسماعيل في الإقامات ديالهم في أكدال وفي طريق زعير ».

عروض « شارلو » المغرب على بساطتها نجحت في أن تدخل القصر، حيث قدم عبد الرؤوف سكيتشاته غير ما مرة أمام الملك محمد السادس ومولاي رشيد والأميرات، وكان إدريس البصري عندما ينظم سهراته في ضيعته يكون أول من يستدعى هو عبد الرؤوف.
عبد الرؤوف لدى المغاربة خاصة من عاصروه يتذكرون بادرته الجريئة في إصراره على القيام بجولة فنية لفائدة الجنود المتواجدين على الحدود « الحزام الأمني »، يقول في هذا الصدد: « مشينا وكان الضرب والقتلى وكانوا كينقلونا من مدينة لمدينة عن طريق الهليكوبتر، كانت الطريق واعرة وعامرة بالقنبول اللي كان تيخليه البوليساريو، ومشينا العيون على الطومبيل ودرنا جولة للجيش، اللي حتى واحد من الفنانين مقدر ينوض ويكتب للقيادة العامة للجيش ويقول ليهم باغي ندير جولة فنية لفائدة العسكر »..
إنه مسار أحد أهرام الكوميديا الكلاسيكية الذي يعاني اليوم في صمت.. إنه حزن الرجل الذي أضحك أجيالا من آبائنا وأجدادنا..