أخبار الهدهد

الشريف مولاي هشام والجنسية الأمريكية، وطن يكيل منه ووطن يستثمر فيه

jeu 12 Nov 2020 à 09:21

عزيز العلوي
اطلعت مثل غيري على تدوينة الأمير مولاي هشام وهو يهنئ بلده الثاني الولايات المتحدة الأمريكية بإنهاء الأطوار الانتخابية بنجاح، إنها إشارة واضحة إلى أن قلب مولاي هشام موزع بين الرباط وواشنطن، وهو ما يطرح سؤال معنى الجنسية والانتماء الموزع بين وطنين، ويجب أن نضع في الاعتبار أن الأمر يتعلق ب »شريف » أي أن أصول هويته تعود إلى ثلاثة عشر قرنا في تربة هذا البلد، وهو ما يعتبر سابقة في التاريخ المغربي، إذ لم يسبق لأي أمير من السلالة الشريفة أن حصل على جنسية أجنبية خارج هويته المغربية ونسبه الشريف إلى السلالات التي حكمت المغرب من الأدارسة حتى العلويين..
لكن أن يأتي اليوم الأمير هشام اليوم ويعلن بحماس زائد على الملأ جنسيته الأمريكية، مفاخرا ومباهيا، فالأمر يدعو للحيرة والريبة أيضا.. كان مقبولا أن يعلن الأمير عن كون لبنان هي وطنه الثاني وجنسيته الثانية، ولن يكون في ذلك أي غرابة، على اعتبار أن المغاربة أوفياء لأصولهم من جهة الأب ومن جهة الأم أيضا، خاصة إذا عرفنا أن أمه هل اللبنانية لمياء الصلح، أضف أن لبنان وطن عربي ويشكل امتدادا لهذا المغرب في الشرق، لكن لماذا تنكر الأمير للبنان كأصل لوالدته، وتبنى الجنسية الأمريكية؟ هل لأن المظلة الأمريكية أقوى من المظلة اللبنانية؟ هذا سؤال وحده الأمير مهيئا للجواب عليه..
كان الحسن الثاني، الذي تحدث عنه الأمير هشام في سيرته بإعجاب وتقدير، يرفض تجنيس المغاربة كانوا في مراتب المسؤولية أو مواطنين عاديين ونعرف مواقفه حتى من عدم رغبته في تصويت مغاربة العالم في الاستحقاقات الانتخابية للبلدان المستقبلة، لأن الجنسية بالنسبة إليه أحد رموز السيادة وتجسد عمق الارتباط بهذه الأرض، وهو أمر لم يكن يتساهل فيه الملك الراحل.. فكيف غاب كل هذا عن ذهن الأمير هشام الذي كان إلى وقت قريب يتحدث عن وطنه المغرب وبلده المغرب، وفي ذات الآن هاهو يفاخر بجنسية بلده الثاني؟
الجنسية ليست مجرد علاقة قانونية بين الفرد والدولة أو بين المواطن والوطن تترتب عليها حقوق وواجبات، الجنسية هوية وارتباط بالوطن، فكيف سيكون قلب الأمير هشام موزعا بين حب المغرب وحب أمريكا، وغدا إذا تناقضت مصالح الدولتين لا قدر الله، أين سيوجد قلب الأمير هشام معنا أم مع الماما أمريكا؟ لكن شكل ثاني حبك انت.. هناك في الولايات المتحدة الأمريكية لا تساهل مع سلطة القانون يؤدي الأمير هشام الضرائب بدون تساهل ويحترم القوانين وحتى إذا دعا الأمر إلى التجنيد العسكري سوف لن يتخلف مولاي هشام الأمريكي، بحكم القانون، أما هنا فإنه يمكن أن يقترض من بنوك المغرب قروضا بلا فوائد لا يسددها حتى اليوم، ويمكن أن يبادل قطعة أرضية بالهكتارات بتارودانت لا تساوي شيئا لكونها أرضا جرداء على سبيل المثال لا الحصر، ويبادلها مع وزارة الأوقاف ليأخذها بدلها بثمن بخس في أحسن شواطئ المملكة بالشمال ويجهزها ويبيعها في الحال بالملايين المضاعفة، والأدهى أن لا يسدد حتى الثمن البخس الذي أخذ به هذه الأرض، لقد أصبح للأمير هشام وطنان، الله يقوي الخير، وطن يأخذ منه، ويكيل من أمواله برغم حاجة أهله، ووطن يستثمر فيه رغم ثراء أهله، وطن للكيل ووطن للطحن.. وطن للتوريد ووطن للتصدير.. نعم الجنسية البراغماتية التي تخلو من أي أثر لحب البلاد..
نحن نعرف أن العديد من المغاربة لهم جنسيات مزدوجة، خاصة من المهاجرين الذي وجدوا نفسهم وفق قوانين الهجرة في البلدان المستضيفة، يحصلون على جنسيتها، لكنهم ظلوا مسكونين بحب بلدهم، يشقون ويكدون ويتعبون من أجل توفير العملة الصعبة لبلدهم، رغم جنسياتهم الأوربية أو الأمريكية أو غيرها، هذه هي الوطنية الحقة المغموسة بوجع تراب البلاد، ملايين المهاجرين المغاربة يتوقون لزيارة وطنهم كل عطلة ويأتون من شتى بلاد المعمور لشراء شقة أو أرض أو يقيمون مشاريع صغرى ويروجون الحركة الاقتصادية في الصيف والأعياد الكبرى، يكيلون من هناك ويطحنون هنا، ومن عرقهم تُسقى ميزانية المغرب، وحتى في عز الجائحة لم يتخلفوا برغم الأزمة العالمية، هذا هو المعنى الحقيقي للوطنية، التي لقنها الجيل الأول لخلفه، حتى الجيل الرابع من المهاجرين الذين يحملون جنسية الوطن الأصل وجنسية البلد المستقبل، ولا مشكلة هنا..
هؤلاء مغاربة بسطاء، مغاربة أرغمتهم الظروف القاسية على الهجرة وعلى حوز جنسية أخرى، وظل حب الوطن يسكنهم، يحملون ما وفوروه بعرق جبينهم من هناك ويأتون به إلى هنا، العديد منهم في المداشر والقرى النائية شكلوا جمعيات مدنية لتنمية مناطقهم، هناك من أوصل الماء والكهرباء والطرق إلى موطن أصولهم في جبال الأطلس أو في الريف، لم يتسولوا من الدولة ولا أخذوا قروضا من بنك وابتلعوه، بل تضامنوا جماعات من أجل وطنهم، ليس مثل الأمير هشام الذي أخذ أموالا من موطن جنسيته المغرب، واستثمرها خارجه في بلدان متفرقة من دول العالم حتى أصبح يلقب ب »الأمير الأخضر »، ولا يجتهد صاحب الجنسية الأمريكية إلا في التشويش على المملكة وعلى ابن عمه، في تلفزيونات وجرائد العالم، والحقيقة أنه إذا لم تستح فافعل ما شئت..