أخبار الهدهد

لا حل للصحراء بدون تغيير النموذج الفكري المتحكم لدى بوليساريو وداعميها

lun 16 Nov 2020 à 14:44

بشير الدخيل
نشر في La voz del Árabeالمكسيكة
ترجمة: إدريس اعفارة

كما هو معلوم، يعتبر نزاع الصحراء التي عرفت مؤخرا بالغربية من الانحرافات التي يتحملها المجتمع الدولي.. لم يتوصل قادة الدول المغاربية إلى حد الآن إلى تفعيل التماسك والتضامن الضروريين والتقريب بين الفضاءات المشتركة لشعوبهم. فمنذ الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي، عند استقلال هذه الدول عن الهيمنة الاستعمارية، لم تقو على تغيير نموذجها الفكري Paradigma، برغم حاجة شعوبها إلى التمتع بسوق مشتركة، وكتلة مشرفة لكل الدول المغاربية وشعوبها، كما جرى فوق كل هذا الكوكب مسايرة لمتطلبات العولمة الجامحة. إذ لا يمكن لأي بلد أن يسير مطمئنا لوحده، أو الطمع في تقدم مريح بدون تضامن وتبادل المصالح مع دول أخرى.
من العوائق التي تحول دون تحقيق مغرب الشعوب المتحدة وإمكانية التقدم هذا النزاع الموروث عن الحضور الاستعماري الإسباني في الصحراء، إنه نزاع لا مثيل له، يتمرد على كل قاعدة، برغم أن بعضهم يختصره بشكل مروّع في البحث عن المذنب باعتباره أصلا للمشكلة، وهذا ما يزيد من تعكير النظر نحو الحل الممكن لنزاع الصحراء التي سميت مؤخرا بالغربية (وهذا انحراف معتمد من طرف المجتمع الدولي).
إنها مشكلة مُلحة لم تجد حلا إلى يومنا هذا، وذلك بفعل الطرح المغلوط لهذا النزاع في حد ذاته..هنا تختلط كثير من المقاربات، والتي تستعمل دون تغيير من طرف بعض الخبراء والتنظيمات الدولية، والتي تظن أن المشكل يمكن أن يتم حله بنفس القناعات، بدون وضع خصوصية هذا النزاع الطويل بعين الاعتبار. ذلك أنهم يخلطون الخصوصيات فيختلفون في تحديد مؤشراته أمام تضاربهم في التمييز بين ما هو حق عرقي Ius generis، وحق في الأرض Ius solis، وحق قبلي Ius tribal.
وعلى كل حال لا يُسمح بحل على سبيل الإكراه، وخاصة من طرف البوليساريو وراعيتها الجزائر: تقرير المصير للشعب.
هذا الشعب الذي لم يستطع معرفة حدوده عندما تورط عن قصد في المفاهيم الثلاثة السابق ذكرها، والتي تختلف من حيث الوضوح، ومن حيث قدرة هذا الشعب على تحديد كيان انتخابي جامع مانع ومقبول من طرف جميع الأطراف التي تقودنا نحو حل موضوعي يرضي الكل، وبتوافق مع مقررات وتوصيات الأمم المتحدة التي تعبر عن مبادئ تقرير مصير الشعوب.
غير أنه لا بد من التذكير، والتسطير تحت أهمية حياة الرُّحل الخاصة والعابرة للحدود المرسومة بين القبائل الصحراوية، والتي تعتبر قبائل أو قرىً، أو شعبا (تختلف بحسب زاوية النظر)، وتتنقل بين كل الدول المغاربية تقريبا.
وكدليل على ذلك، نجد أن أغلب قادة البوليساريو من أصول مغربية، وبعضهم من موريطانيا، وآخرين من الجزائر، ازدادوا ونشأوا هناك منحدرين من عسكريين من هذه الدول نفسها.
يبدو أن الإطار الاجتماعي الذي تتكئ عليه البوليساريو هو الأصل القبلي Ius tribal كعنصر للهوية، في حين أن طبيعة هذه القبائل من الرُّحل تجتاز حدود الأراضي المتنازع عليها (الصحراء الإسبانية سابقا)، دون أن تأبه بهذه الحدود الموروثة عن الاستعمار، ولا للوضع السياسي القائم؛ كل هذا يزيد المشكل تعقيدا، كما سنرى قدما في هذا المقال.
كثير من دول أمريكا اللاتينية تواجهها هذه الوضعية المعقدة عندما تنظر إلى هذه التجمعات نظرتها إلى الشعوب الأصلية، وبالتالي يكون الحاصل استحالة قيام دولة جديدة مؤسسة على الانتماء الطائفي وروابط الدم، وتوزعها بين حدود دول معترف بها من طرف المجتمع الدولي. وإذا حدث هذا فستتفكك وحدة أغلب دول العالم.
نحتاج إلى فهم أفضل لهذه الظاهرة اللامعهودة، بعيدا عن المقاربات العاطفية والاستجابة غير الموضوعية، وإبعاد كل رأي يساير القناعة الصادرة قبل أزيد من أربعة عقود من طرف حفنة من المنظرين، ولأغراض جيوسياسية من هذا البلد أو ذاك من بلدان المنطقة.
إن نحن قمنا بدراسة متعددة التخصصات: التاريخ الموثق، وندوات التحليل السياسي، والجغرافيا، وصحافة التحقيق، وفقه اللغة Filología، والأنتروپولوجيا الاجتماعية، وكذا الشعور الجمعي؛ وبدون هذه الرؤى لا يمكن تحقيق نتائج معتبرة. فلا بد أيضا من الأخذ بعين الاعتبار موازين القوى والتضامن، خاصة إسبانيا منشأ ملف الصحراء الغربية مع انسحاب الفيالق العسكرية للمحتضر فرانكو Franco، والتي كانت – حتى ذلك العهد – إقليما إسبانيا، ثم ظهرت جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب Polisario.
نتذكر أنه إلى حد الآن لا رغبة في (تحرير الصحراء الغربية) عند أي جهة، حتى سنة 1976، بعد الإعلان من طرف واحد عن (الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية)، والتي تستمر إلى حدود اليوم بدون اعتراف من هيئة الأمم المتحدة، ولا من القوى التي كانت مستعمرة عهدئذ.
بعض (مشاهير الحكماء) من قادتهم يصرون على أن الشعب الصحراوي انطلق من الصفر منذ بداية الستينيات، وأكثر من هذا- حسب روايتهم – لم يكن هناك تاريخ ولا معارك جديرة بالذكر، كل شيء ظهر مع ولادة البوليساريو، وبدأ على مسرحهم منظرون مزدادون في جنوب المغرب.
إن النزاع بدأ قبل الستينيات، وبالتالي فإن عمره أزيد من أربعة عقود، وفي الواقع، فإن أصل كل الشرور لم يخلق مع توقيع الاتفاق الثلاثي سنة 1975، والمعروف باتفاق مدريد، بين إسبانيا والمغرب وموريطانيا من أجل اقتسام الأرض، وإنما يندرج ضمن سياق مغادرة جيش التحرير للمنطقة سنة 1958، كان أعضاء هذا الجيش ينتمون إلى القبائل الصحراوية أو البدوية، ويترأسها قادة مغاربة، والذين مازال بعضهم يحيا في المغرب. أعلنت الحرب على القوتين الإسبانية والفرنسية باسم سلطان المغرب الذي حافظ هذا الجيش على واجب الاحترام والطاعة لملكه.
ومن جانب آخر، لما انسحب جيش التحرير ضيع زعماء هذا التنظيم نفسه فرصا عديدة قدمتها لهم السلطات الإسبانية في السنوات الأخيرة من حضورها في الصحراء وفضلوا الحرب على السلم ،وكذا الإحساس الجمعوي؛ أو لعلهم لم يكونوا يملكون صلاحية اتخاذ القرار في ذلك الإبان؛ فولوا وجههم شطر الجزائر التي اقتحمت هذا النزاع بقسوة وانتزعت منهم حرية اتخاذ القرارات مباشرة بعد وفاة الزعيم الوالي السيد، وتغيير النواة الصلبة للقادة العسكريين بآخرين يجهلون حتى الأرض التي يزمعون (تحريرها)! وهكذا نشأ إرهاب اليوليساريو ضد الصحراويين الإسبان، والذين ما زالت وضعيتهم – كإسبانيين – على حالها إلى اليوم.
ينسى كثيرون أننا – نحن الصحراويين – (مجتمعون لكن لسنا مختلطين) كما يقول المثل الشعبي، لكل واحد أرضه الأصلية، لكنه يتبع وجهات نظر متعددة والعديد من الأراضي الوطنية، يشبه الأتراك والشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية. يتكون مجتمعنا من قبائل مختلفة، والذين استوطنوا دولا مغاربية عديدة ؛ وفوق هذا، فأصحاب الأرض الطبيعيين، أو على الأصح، سكان كل أرض يُعترف بهم بأنهم جزء من مجموع (البيضانBidani)، من هنا يقع الخلط بين صحراوي مقيم في أرض محددة، وبين الانتماء القبلي، بمعنى الجذر القبلي، هذا العامل الاختلافي لا يمكن التغاضي عنه في أي شكل من أشكال التحليل، وتبرز معه تعقيدات هذا الموضوع، ويجبرنا على طرح السؤال الذي لم يُلق له جواب مقنع: من هو الصحراوي؟!
لدينا مع البوليساريو من جهة الأصل البشري المنتشر على طول وعرض آلاف الكيلومترات المربعة (موريطانيا كلها، وقسم كبير من الجزائر، وبعدها الامتداد من وادي نون المغربي حتى حدود ما عرف قبلاً بالصحراء الإسبانية).
وعند الآخرين، نجد أن الأشخاص الذين خضعوا للإحصاء الإسباني الأخير اعتبروا حاصلين على الجنسية الإسبانية؛ ولكن قرارا حديثا جردهم من هذا الاعتراف ولو من الدرجة الثانية، وأن ما عُرف بالإقليم 53 كان مجرد مزحة، وأن(اللحوم الزرقاء الإسبانية) التي يحملها بعض الإسبانيين ما هي إلا نسخ مزيفة.
وهكذا استفحل المشكل « هذه التعددية في الأصول والروابط القبلية وسياسة قادة البوليساريو جعلت تركيبتهم بعيدة عن أن تصبح متجانسة » وهذا يعني وجود تعارض واضح بين قدسية مبدإ احترام الحدود الموروثة للدول بعد استقلالها، وبين مبدإ تقرير المصير نفسه لشعب واضح المعالم، والذي يضع نهاية لفترة استعمار.
التنظيم المُطالِب بالاستقلال، كما هو واضح يتجاوز بكثير مطلب استقلال الصحراء. ولكي نكون واقعيين ونضمن التقدم من حل مُرضٍ لهذا المشكل الجامد جمود رمال الصحراء، ينبغي إرساء دعائم حقيقية للتفاوض المباشر، وبدون شروط مسبقة بين الأطراف المتنازعة، وهي ليست أكثر من المغرب والجزائر من جهة، ومن جهة أخرى، الأخذ بعين الاعتبار آراء مختلف فصائل الصحراويين باستقلال عن إيديولوجيتهم أو مكانهم الأصلي، من أجل الحصول على حل وسط يصير فيه الجميع من الرابحين.
لن تقوم للبوليساريو قائمة بدون مناورات الجزائر وتزويدها إياه بالمعدات.. حقيقة، ليس البوليساريو سوى أداة تخدم سياسات كبرى للدولة التي تحتضنهم وزعمائها المغاربيين الذين يحركونهم ويستغلونهم.
نجد- مع الأسف – بعض الحكام والنخب المغاربيين مستمرين في بذل مجهودات وطاقات يضيعونها في نفس حربهم الباردة، ولا يحاولون جاهدين تغيير نموذجهم الفكري Paradigma وانتهاج سياسات تتماشى مع مصالحهم ومصالح شعوبهم ودولهم ويكونون واقعيين.
وأخيرا، وبدون حماس لإضافة حجج ودفوعات، يمكن أن نؤكد على أنه يتعذر حل هذا النزاع بدون مباركة ورغبة حقيقية وجادة من طرف المغرب والجزائر وموريطانيا، وبمساهمة كل التيارات الديمقراطية، وعموم المجتمع المدني، ولن يتحقق كسر الجمود الراهن وتلافي عبثية الوضع القائم Status quo، واستفادة الشعوب المغاربية إلا في ظل هذا المقترح.
وحدها الإرادة السياسية الحقيقية لقادة الدول المغاربية ونخبها كفيلة بتخطي هذا العائق الخالد الذي يهيمن على جميع الدول المغاربية، إلى جانب الأزمات الاجتماعية المستمرة، وتوسع الإرهاب، وكذا التخلف المزمن. المفاوضات هي الوسيلة الوحيدة القمينة بأن تجعل هذا المغرب الكبير ديمقراطيا بدون شروط ولا محددات إيديولوجية أو مصالح خاصة؛ والكل مدعو للمشاركة في تغيير الپاراديݣما وإغناء حوار مسؤول يتلافى السقوط في تضييع خمسين سنة أخرى في مناقشة أخطاء الخمسين السالفة بأخطائها وقصورها، وبمعاناة إنسانية لا لزوم لها.