أخبار الهدهد

التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني هل هو مدخل لعلاقات دولية جديدة أم مدخل جديد للهيمنة؟

mer 25 Nov 2020 à 10:13

يوسف اليوسفي. باحث في الفلسفة
يشهد العالم اليوم انقلابا وتقلبا في العلاقات الدولية على مستوى العالم بين أطراف كانت إلى غاية يوم أمس علاقات تتأسس على الصراع والحرب، بل يمكن أن تتعدى الأمر لتصبح كراهية بين عالم داعم للاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وعالم رافض لهذا الاحتلال معتبرا إياه تعسفا وتجبرا واستعمارا مرفوضا حسب القوانين الدولية، علاقات دولية متأزمة بين عالم عربي اسلامي رافض لأي تواصل بينه وبين الاحتلال الصهيوني الذي قام على أسس عرقية دينية، وبين عالم اسرائيلي طامع في بناء دولته بشتى السبل والطرق معتمدا في ذلك التفاوض أحيانا والغزو في أحايين أخر، صراع عمر منذ ما يقارب ثلاثة ارباع القرن،.
صراع عاش لجيل أو جيلين أو ثلاثة أجيال وهو يتطور في مسار بناء الثقة بين عالم يستعمل السلاح من أجل الاستيطان وعالم يعتمد الدعاء في المساجد لاعادة الأمر للواجهة، ثلاثة أجيال أو لأسميه عمرا بأكمله هو عمر الصراع ولا يمكن معه أن نقول إلا اعتماد منهجية التداوي بالصدمات إذ بدأ مسار التنازل والتمهيد لفتح علاقات دبلوماسية جديدة عبر بوابة المدرسة وما أخطر المدارس فكم تغيرت لغة المناهج بين متعصبة للخط الفلسطيني في بداية الصراع إلى بداية الألفية الثالثة، وكيف تحولت اللغة إلى لغة طامحة للسلم وبناء مسار الثقة عندما تجاوزنا مفهوم » الاحتلال الصهيوني » إلى مفهوم جديد أكثر قوة وسلاسة » الاحتلال الاسرائيلي » وكيف تحولنا في مرراتنا الدراسية من مفهوم  » الصراع العربي الصهيوني » إلى مفهوم  » الصراع العربي الاسرائيلي » ومن ثم إلى مفهوم  » الصراع الفلسطيني الاسرائيلي » في أسوأ محاولة من الأنظمة العربية لتجرد نفسها من وصمة الصراع وكأن الأمر لا علاقة له بالهوية العربية الاسلامية المغتصبة فأرض الزيتون، إن اللغة التي كان يتكلم بها الفقيه في القديم وهو يخطب في الصهاينة غير تلك التي بات يبتزنا بها البعض في أسوأ خطاب يمكن أن يمهد به الطريق للحديث عن كيان صهيوني غاشم ينتهك حرمة الانسان والانسانية بقذيفة أو صاروخ، ليس أمامنا إلا أن نعيد قراءة المشهد منذ أن وضعت دولة الصهاينة قدما لها في الشرق الأوسط وكيف عملت بسرعة قصوى لتقسيم العالم العربي إلى أجزاء فبعد أن كان هناك في الشرق الأوسط حزب عربي واحد أصبح العد غير ممكن في دولة واحدة فما بالك بكل الدول؟ مسار التقسيم هذا انطلق بحرب العراق على الكويت والتي مهدت لتأسيس جبهتين الأولى تقودها السعودية وأخرى يقوها العراق وسوريا، جبهتين نسيتا الصراع الأصل  » الصراع العربي الاسرائيلي » وبقيت غارقة في الصراع الهامشي « صراع الأقليات الشيعية والأغلبية السنية وكأن الشيعة عدو السنة أكثر من اسرائيل؟ صراع عززته الحروب التي خاضتها دول المشرق العربي ضد بعضها البعض، والتكتل ضد بعضها البعض عبر تحالفات لا يمكن أن ينساها العربي على الاطلاق.
بدأت اسرائيل تتحرك في أسوأ تجريب للرأي العام العربي في حربها الشعواء على لبنان وهي تراقب رد الفعل العربي الذي عرف بالصمت أو التنديد والتي لا تعتبر في السياسة الدولية مجرد بروتوكول للرفض وليس الرفض ذاته، فحينما أرسل معاوية إلى عبد الله بن عمر يستفسره عن الصراع كان ينتظر منه ردة فعله حتى يقدم على ما أقدم عليه أو يحجم عن ذلك في اللحظة هذه، تجربة أعادها الكيان الصهيوني في هجومه الشرس على حزب الله بجنوب لبنان وكأنه يقول ببداية عزل الثور الأبيض حسب المثل الشهير » أكلت يوم أكل الثور الأبيض »، أصبح العالم العربي منقسما متشتتا لا يهمه غير قطره فقط ولا يعنيه القطر الآخر مهما عانى وعاش من أزمة هذا إن لم تكن هذه الأزمة مع الأشقاء العرب كما حدث بين السعودية والعراق في غير ما مرة من تأزم العلاقات الدبلوماسية والوصول بها حد القطيعة واللاتواصل، أزمات كانت اسرائيل تدرسها حق الدراسة وهي تحضر لمرحلة اعلان تفجير الوضع بين البلدان العربية واستغلال الصراع الديني المصطنع (سني/شيعي) وكأن الشيعة لا يمكنهم أن يتواصلوا مع السنة والعكس صحيح، فكان للعزف على هذا الوتر نتائج هامة جدا تكمن أساسا في التحالفات التي أعقبت ثورات الربيع العربي 2011م ، إذ نتج عن هذه التحالفات ما سمي بالحصار، حصار بمثابة زلزال في العلاقات الدولية بالشرق الأوسط جعلت العالم العربي مقسما متشرذما بين مد اسرائيلي صهيوني ينتظر لحظة إعلان التحالف، المد التركي الذي أعلن دعمه لبعض الدول ومنها من انتظرت الفرصة لتتحدث عن التحالف مع شيعة العراق ليتحول المشرق العربي من كل متجانس يحمل الهوية العربية القديمة إلى مشرق بلا هوية، بلا حضارة في أسوأ صورة يمكن أن يعيشها العالم العربي منذ بداية التاريخ إذ ما عاد بين العالم العربي من رابطة الأخوة والدم كما عبر عن ذلك صراحة السيد معمر القذافي الذي تحدث عن بعض هذه الأمور في بعض خطاباته، مشرق عربي فقد وحدته الثقافية والفكرية والحضارية ليفقد معها تاريخه.
وعليه فإن مسلسل التطبيع الصهيوني مع بعض الدول العربية يعتبر بمثابة ارتماء في أحضان الصهيونية في لحظة فقدان حنين العروبة، في زمن عاش العربي أسوأ مراحله التاريخية من حيث الانحطاط إذ بات يعرف زوال أو انحطاط القيم والمبادئ والشعر وغيرها من مظاهر النخوة العربية التي كانت بمثابة الأصل الحضاري عبر العالم على اعتبار هذه الحضارة أولى الحضارات الانسانية قدما، وما هذا التطبيع الذي تعيشه بعض الأنظمة إلا محاولة لدق آخر مسمار على نعش الحضارة العربية القائمة لذاتها وبذاتها والتي لا يمكن أن تزول، نعم سيفقد العالم العربي بعضا من أجزاء هويته الحضارية والثقافية ولكنه لن لن يفقد كل حضارته.
إن التطبيع هو محاولة لقتل الهوية والارث الثقافي، ولا علاقة له بالتحالف السياسي لما لدول العالم العربي من خيرات يمكنها أن تجلب العالم ككل، بقدر ما هو زواج مصلحة يرتمي فيها الطفل الصهيوني في حضن الحضارة العربية كي لا يعيش العزلة في مشرقه،
سيبقى التطبيع العربي الاسرائيلي مجرد محاولة لذر الرماد في عيون العالم في أسوأ مقارنة بين العربي والصهيوني، وليس محاولة لقبول الفكر الصهيوني المبني على العرق والدين، وليس محاولة لتبادل المصالح لأن اسرائيل ما تزال بحاجة لدعم الدول الاجنبية رغم ما يحاول البعض أن يزين به صورتها السياسية فلا إسرائيل بدون بريطانيا وأمريكا بين أب عراب وأم مربية متبنية تدعمها إلى الأبد لا يمكنها أن تكون قوية، ومن يقول عكس هذا فلماذا حضرت الأم لزواجها من العربي؟ أليس هذا الحضور بمثابة تزكية للفعل؟
سيبقى العالم العربي قائما بهويته الحضارية القوية وبإرثه الثقافي العميق حاضرا قويا، لا يقبل الذل والمهانة وما هذا التطبيع إلا وضع علامة التساوي بين الطرفين أم ستقبل الطلاق في أية لحظة أراد العالم العربي تطليق اسرائيل، زواج مصلحة ستتم ضحيتها طبعا الفلسطيني، لكن هذا الزواج سينتهي بأن تحاول اسرائيل فرض هيمنتها القانونية على القدس، لأن الامارات لا يمكنها كحكام تزكية الأمر ولا قبول البيع بالنيابة عن العالم العربي الحر