أخبار الهدهد

“الصعود نحو الهاوية” .. جبهة البوليساريو من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال

dim 20 Déc 2020 à 15:51

« حاولت أن أقدم في هذا الكتاب، ما كنت قد اشتغلت عليه في مسار تطور حركة بوليساريو خارج القراءات الرائجة، المسكونة بعنف لغوي يُخفي تحت طبقاته الكثير من الحقائق، أو يتستر بالغير اليسير من الأوهام الإيديولوجية غير النبيلة، جالست العديد من مؤسسي البوليساريو في الداخل والخارج، زرت المناطق الجنوبية عشرات المرات، جالست العديد من متزعمي بوليساريو الداخل واستضفتهم في المنابر التي كنت أرأس تحريرها.. وها أنا أقدم هنا حصيلة جزء من مسار حركة كان كافيا طول الزمن أن يلبس نشأتها الكثير من طبقات الكذب وتصبح لغة التوصيف من هذا الطرف أو ذاك، لغة عنيفة لها مخالب وأنياب، ذلك أن الحقيقة هي أول ضحية في لحظة الصراع، والصدق هو الشهيد الأكبر في ساحة تاريخ أُدخل مختبرات العديد من الدول لها مصلحة في استدامة الأزمة ».

بهذا التوشيح يقدم الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس كتابه « جبهة بوليساريو.. الصعود نحو الهاوية » الذي صدر عن منشورات النورس في 144 صفحة، في طبعة منقحة ومزيدة فرضتها التطورات المتسارعة التي حدثت في المنطقة، وبروز مذكرات سياسيين وازنين كانوا رفقة مصطفى الوالي وشهودا على ميلاد حركة بوليساريو التي وقعت في قلب التجاذبات الإقليمية، فتحولت من أحلام التحرر إلى أوهام الانفصال، وهي تشهد اليوم صعودها نحو الهاوية.. فبعد ما يقارب نصف قرن من الضياع في قلب صحراء لا نبت فيها ولا زرع، لم يعد السراب يغذي أوهام جيل من أبناء المخيمات الذين تلقوا تكوينا في جامعات أجنبية، ومع وسائل تكنولوجيا التواصل الاجتماعي أصبحوا يميلون إلى أن يعيشوا زمنهم وفق أحلامهم، وهو غير جيل الآباء من الأميين الذين أسلموا القياد بشكل أعمى لقيادة جبهة بوليساريو، جيل أصبح يقارن بين الوضع هنا والوضع هناك، جيل متعطش ليحيى حياته بحرية وبكرامة..

وعبر تحليل سياسي للسياقات التاريخية التي نشأت ميلاد قضية الصحراء المغربية، يبرز الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس النتوءات الكامنة في ميلاد جبهة بوليساريو، في ظل المد اليساري الجذري والتقاء الشباب المؤسس بحركة 3 مارس بزعامة الفقيه البصري التي أشرفت على تقديمها إلى قادة الجزائر وليبيا في إطار خلق بؤر ثورية لتحرير الصحراء المغربية من يد المستعمر الإسباني، حتى ظهور فكرة الانفصال بشكل فجائي في إطار متغيرات رقعة الشطرنج التي كان يتبارى عليها الحسن الثاني وهو اري بومدين والعقيد معمر القذافي، لكن في اللحظة التي كان ينهار فيها جدار برلين وينتصب جدار الصحراء، سقطت أوراق كثيرة، منها نتفاضة المخيمات في الحمادة في خريف 1988، وميلاد المغرب العربي الذي يعلن وجود خمسة دول لا أكثر، أصيبت بوليساريو بالشلل التام، لكن التباسات عديدة حسب كتاب « جبهة بوليساريو.. الصعود نحو الهاوية غيرت مسار التاريخ قليلا إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الأمام، وفيما يشبه الرؤية المستقبلية كشف كوكاس متغيرات الساحة الإقليمية، التي أكد أنها ستفرض حتما أولويات جديدة في أجندة الدول الكبرى المؤثرة في صناعة القرار الدولي وستجد الجزائر نفسه في عزلة سياسية بعد توالي أزماتها الداخلية وفراغ رأس السلطة وارتفاع تكلفة دعم جبهة بوليساريو، التي ستدفع بأحد اتجاهين لا ثالث لهما، إما التفاوض على أرضية الحكم الذاتي أو الذوبان في رمل الصحراء الذي تشكل كل ذرة منه متاهة، وكما يقول الكاتب: « في الصحراء يموت الإنسان بأحد النقيضين: السيل أو العطش ».