أخبار الهدهد

أي تأثير لأدوار الإثارة والإغراء على الحياة الخاصة للفنانين؟

sam 1 Août 2015 à 12:26

حسناء الدافلي

هناك دائما وضع اعتباري يحظى به الفنانون داخل المجتمع، خاصة الذين يبدعون في أدوارهم التلفزيونية والسينمائية، فمن جهة، هم مرايا تأثيرية تعكس حياة الناس داخل قالب فني وفق نفس دراماتولوجي، وإن كان لذلك تبعات قد تخلق نقاشا متباينا بين متلق وآخر، ومن جهة ثانية يظل محترفو التمثيل عندنا أكثر الشخصيات تأثيرا في نفوس الناس والأقرب إلى دغدغة عواطفهم، فهم صناع الفرجة ومحترفوها الأكثر تطويعا للمخيال المغربي عبر الموروث الثقافي المشترك، غير أن ثمة ما يشكل حسب هذه النخبة نشازا في التعاطي مع المتلقي الذي قد لا يتقبل لجوء الممثل والممثلة إلى ما يصفونه بالمشاهد الساخنة أو الإباحية، التي تخدش الحياء وتمس الذوق العام.

بعض الفنانين يجدون صعوبة في التماهي داخل المجتمع لعدم  قدرة الجمهور على التفريق بين الشخصيات الافتراضية التي يتقمصون أدوارها وبين الشخصية الحقيقية  التي هم عليها في الواقع، خاصة عندما تستدعي الضرورة الدرامية تشخيص أدوار ذات حمولة جنسية تخدم حسبهم السيناريو، الأمر الذي يجعلهم ينزوون أحيانا داخل فضاءاتهم خشية الاحتكاك المباشر مع الجمهور.. إنه اختلال  من نوع آخر يلازم المتلقي الذي يرى في الممثل دور سكير أو متشرد أو مغتصب.. فإلى أي حد تؤثر الشخصية الدرامية في حياة الفنانين الشخصية، وما هي المواقف التي واجهوها؟ ولماذا يرفض المتلقي أن يرى ممثله المفضل في دور إغراء أو إثارة؟

الأدوار الجنسية والحياة الخاصة للممثلين

موجة هجوم حادة تنصب على رؤوس عدد من الممثلين بمجرد أن ينتهوا من تصوير مشاهد فيلم أو عمل سينمائي يتضمن مشاهد إغراء ساخنة، فعينة واسعة من الجمهور يرفضون تلك الأدوار ويسقطونها بحمولتها على الممثل الذي أدى ذلك الدور، لإيمانهم بأنه كان الأقرب إلى حياته الخاصة، ولذلك فقد وافق على تقمصه وقرر أن يجسده، رؤية لا تنسجم مع واقع الحال، إذ أن أداء أدوار عاهرة أو متشردة أو سكير في عمل سينمائي لا يعني بالضرورة أنه يعكس  الحياة الخاصة للممثل، ولما كانت الشخصيات من أبرز المؤثرات التي تؤدي دورا أساسيا في نقل أو عكس المضامين الاجتماعية لما يؤهلها للتوغل في المتلقي، حيث إنها تقوم بدور رئيسي في خلق التعاطف مع المتلقي لما يجد من صفات ذاتية لنفسه في أكثر الشخصيات الدرامية، حيث إنها تنقل الواقع للمتلقي بصورة تكاد تكون مباشرة لأنها تمتلك كثيرا من الصفات المشتركة مع المتلقي، من هنا كانت مؤهلة لأن تنقل كثيرا من التقاليد والقيم إلى المتلقين بحكم كونها الأكثر شبها معهم، فهناك عشرات الشخصيات ترسخت في ذهنية المتلقي حتى أصبح عصيا عليه الفصل بين الشخصية الافتراضية والشخصية الواقعية، وهو ما يؤثر على حياتهم الخاصة، إذ رغم انتهاء مشاهد الفيلم أو المسلسل في بلاطو التصوير، إلا أنها لا تنتهي على أرض الواقع، حيث ينخرط  الجمهور في اللعبة ويسقط الدور على الحياة الخاصة للممثل، الذي تختلف درجة تأثره عندما يسمع جمهوره يناديه باسم الشخصية التي تقمصها أو يصدر عليه أحكاماً تدينه،  ولنا خير مثال على ذلك الدور الذي أدته الممثلة المغربية سناء عكرود، في الفيلم المصري « احكي يا شهرزاد » حيث ظهرت في لقطات ساخنة، من بينها لقطات وهي عارية تماما مع الممثل المصري محمود حميدة، وضعية قالت عنها عكرود إنها عادية مادامت مرتبطة بعلاقة زوج وزوجته، وأنها لم تسبب لها أي مشكل، في الوقت الذي سببت فيه صدمة لجمهورها حيث انهالت عليها الانتقادات من كل جانب، وسقطت أسهم شعبيتها التي خلقتها عويشة الدويبة في سلسلة « رمانة وبرطال ».

بين مؤيد ومعارض

سينما

أجساد عارية، نهود مثيرة، مؤخرات، ألفاظ نابية، كلها مشاهد لا تجد صدى لها عند شريحة واسعة من الجمهور والمتلقين، الذين يتحولون إلى لجان تحكيم يصدرون أحكامهم المسبقة، فعديدة هي الأعمال التي وشمت ذاكرة المتلقي وجعلت أدوارا من هذا القبيل تجعله يأخذ موقفا مسبقا من هذا الممثل أو ذاك، موقف يضع الممثل في وضع لا يحسد عليه، إذ ورغم إيمانه بانفصال هذا الدور عن حياته الخاصة وطبيعتها إلا أنه لا شك يتأثر بردود الأفعال المحيطة به.

في هذا السياق يقول الممثل سعيد باي الذي أثار ظهوره بمؤخرة عارية في فيلم « زيرو » لنور الدين الخماري في دور « بوفرطوطو » كثيرا من الجدل « أستغرب الهجوم الذي تم على هذا الفيلم، والأحكام الجاهزة التي اصدرت في حقه من طرف الكثيرين، فالأمر ينم عن خلل، إذ لا يعقل بناء أحكام على مشهد مدته ثوان في عمل مدته ساعتين، كما أن ضرورة الحكي اقتضت ذلك المشهد، ولو لم تكن له ضرورة لما أقدمت على المشاركة فيه »، ويضيف موضحا: « إذا تبث أن ذلك المشهد مبتذل حينئذ أنا مستعد للاعتذار ».

من جانبها ترى الممثلة المغربية آمال عيوش والتي سبق أن قامت بعدة أدوار إثارة منها فيلم « لعبة الحب » للمخرج إدريس اشويكة ، كما أدت دور عاهرة في فيلم « علي زاوا » لنبيل عيوش  أن تشخصيها لأدوار جريئة لا يطرح لها أي مشكل سواء مع نفسها أو مع قناعاتها أو مع زوجها، مادام ذلك يدخل في إطار منح الدور مساحة أكبر من المصداقية والحرية دون تجاوز الحدود المرسومة لها.

ولا تجد آمال حسب قولها أي عقدة في ارتداء ملابس شفافة أو حتى ملابس حمام السباحة كما حدث في فيلم « الدار البيضاء » للمخرجة فريدة بليزيد باعتبار أن دورها تعلق بسيدة برجوازية.

وتتحدث الممثلة المثيرة فاطيم العياشي التي تلقت سيلا من الانتقادات عقب فيلمها الأخير « موشومة » بأنها  « فخورة جدا بالدور الذي أدته في الفيلم »، واعتبرت أن مشاهد العري أو الإثارة في الفيلم هي « حرية تعبير »، مؤكدة أنها ترفض الرد على الانتقادات التي وجهت إليها من قبل الجمهور، وأكدت بطلة « موشومة » أن دورها لم يخلق لها أي مشكل وأن أسرتها راضية عن الدور الذي قامت رغم موجة الغضب التي تلقتها.
من جانبه يقول الممثل أنس الباز الذي اشتهر في دور « كازانيكرا »: « شخصيا أجد أن الحياة الخاصة للفنان منفصلة عما يؤديه من أدوار، فالدور يبقى دورا والممثل يجب أن يؤديه على أكمل وجه، وتبقى للجمهور الحرية المطلقة في الحكم على هذا العمل الذي يجب أن يحترم فيه المتلقي .. ».  وعن إمكانية لعبه لدور إثارة يقول: « أنا لست ضد المشاهد الساخنة  إذا كانت  القصة تقتضي ذلك، لكن دون مبالغة، وإذا عرض علي دور من هذا القبيل وأعجبني فلما لا أجسده ».

5336812-7963770

فيما اعتبرت الممثلة المغربية، نجاة خير الله، التي اشتهرت بدورها لفتاة ليل في الفيلم المصري « الوعد » أن السينما لها حرية لا متناهية ولغة كونية لا خطوط حمراء فيها، كما أكدت في تصريح لـ »الهدهد » أن تطرق السينما للطابوهات وتداول الإيحاءات الجنسية، واستعمال لغة الشارع لا يمكن اعتباره استفزازا للجمهور المغربي، فالممثل مطالب بتأدية جميع الأدوار، ولتجسيد شخصية ما يسخر لغته، جسده، وكل ما يملك من أجل شخصيتنا الخاصة لها، و »أسخر جسدي وروحي وكل ما أمتلكه لصالح تلك الشخصية، فأتقمص دور مليكة، رقية…ولا يمكنني استعمال أشياء غير تلك التي أمتلكها، فإذا كنت سألعب دور فتاة ليل، أو امرأة متزوجة بمشاهد ساخنة على فراش الزوجية، أو متشردة أو أي دور وخاصة حينما يتعلق بالإغراء والمشاهد الإباحية، فأكيد سأستعمل جزءا كبيرا من شخصيتي، إلا أنني أحاول أن أعطي هوية لتلك الشخصية، إلا أننا نحن كممثلين وبمجرد أن ينتهي التصوير بعبارة « كوبي » نفصل بين الدور والشخصية الحقيقية ونعود إلى حالتنا العادية، إلا أن الجمهور عندما يشاهد عملا ما، فإن صورة الممثل تترسخ في ذهنه، ويحكم عليك انطلاقا من خلال الدور الذي أديته ».

أمر تعده خير الله إيجابيا ويحسب لصالح الممثل « كلما كان الممثل صادقا في دوره كلما استطاع النفاذ إلى أعماق شرائح واسعة من المجتمع، ورغم أن الجمهور يضع مسافة بينك وبينه في استحضاره للدور، لكنه سرعان ما يدرك أن نجاة خير الله مثلا ليست تلك الشخصية « المسمومة » أو بنت الليل »..

المحلل الفني أحمد الدافري يعتبر أن الفن له علاقة بثقافة البلد الذي يمارس فيه وبالمناخ العام الذي يهيمن عليه، فإذا كانت ثقافة البلد محافظة فإن التمثيل باعتباره وسيلة من وسائل التعبير داخل هذه المنظومة سيكون مرتبطا بثقافة المحافظة داخل هذا الفضاء، بينما إذا كان التمثيل يمارس في بلد له رؤية منفتحة ويتعامل بطريقة أكثر حرية يكون مرتبطا بقيمته كإبداع وجودته كممارسة، وسوف يؤخذ بعين الاعتبار من الناحية النقدية من خلال ما ينتجه من فرجة وليس ما يعكسه من ردود أفعال وأبعاد لدى جمهور المتتبعين.

أما بالنسبة لنا نحن في مجتمعاتنا العربية الإسلامية يضيف الدافري في تصريحه لـ « الهدهد »، فـ « التمثيل مرتبط أساسا بما يرسخ ذاكرتنا الثقافية وهويتنا الحضارية من أشكال فرجوية قديمة في الحلقة وفي مجالس الشعراء وفي الساحات القديمة، ومن ثمة فهو لا يمكن أن يتجاوز الحدود المتعارف عليها في مجتمعات لها ارتباط بالدين، إذن هناك خيار إذا أردنا أن نشتغل في مجال الفن، يجب أن نتحمل مسؤولية هذا الاختيار في الانفتاح على جميع الثقافات وعلى مختلف القراءات والتحليلات، من هنا يأتي الحديث عن الأدوار المثيرة جنسيا أو الساخنة إذ لا يمكن أن نتقبل فنانا يقوم بتشخيص أفلام بورنوغرافية من الناحية الأخلاقية، أما ذا كان الأمر يتعلق بأدوار يتطلبها الفيلم ولها دلالات ولها ضرورتها في التركيبة الفنية وفي البناء العام للفيلم، فهذا لا بأس به، على أساس  أن يكون المتلقي واعيا بأن الممثل هو شخص يقوم بمهمة ليست بالضرورة تعكس شخصيته وواقعه ». إن الإشكال هنا مرتبط بوعي المتلقي حسب الدافري، فأي ممارسة في مجال الفن مرتبطة ببنية فكرية متجذرة في الماضي…

من ناحيته يرى الباحث في الدراسات السينمائية و السمعية البصرية عصمان عادل أن التجارب السينمائية أثبتت أن الجسد يمارس سطوة تأثيرية على ذهن المشاهد ، فالمشاهد التي يكون موضوعها خلخلة الانزياح القيمي لدى المشاهد « مشاهد العري، القبلات، الكلام النابي … » تلقى إدانة من طرف الجمهور المستتر وراء قيم طوباوية أكثر منها قيما وجودية معاشة، ليساهم كل ذلك في اتساع الهوة بين الإدراك السطحي لتمثل الجمهور على حساب المغزى المقصود و الحقيقي و الجوهري و الثابت .