أخبار الهدهد

المساري في أخر حوار لم ينشر يحكي تفاصيل مثيرة من مسار حياته

mar 4 Août 2015 à 12:40

حاوره مصطفى لختاصير

– كيف انطلقت تجربة العربي المساري الأولى في مهنة المتاعب؟

+ أذكر أني حصلت على أول راتب في « العلم » وقدره 850 درهم في الشهر، وفي سنة 1963 أصبحت أتقاضى ألف درهم، وفي إحدى شهور نفس السنة قام أمين الصندوق الحاج سليمان باقتطاع مائة درهم من راتبي فعدت لاستفساره عن سبب الاقتطاع، فقال لي « هذا مبلغ مساهمة لصالح الحزب »، فأجبته مستغربا: « ولكني لست متحزبا، وسأشتكيك لعلال الفاسي »، فكتبت رسالة إلى الأمين العام للحزب اشتكي من اقتطاع مساهمة الحزب من راتبي، وكنت حينها مؤمنا بأن الصحافي يجب أن يبقى مستقلا، فأجابني علال الفاسي برسالة من ست أوراق، نشرت في كتاب، ومجمل ما جاء في الرسالة أني استقلالي من دون أن أشعر بذلك.

وفي إحدى الأيام اختفى عبد الكريم غلاب مدير « العلم » عن الأنظار، وكنا إزاء إصدار عدد من الجريدة ولم نكن بعد قد توصلنا بافتتاحية غلاب التي كانت هي رؤى اللجنة التنفيذية للحزب، فاجتمعت أنا وعبد الجبار السحيمي ومصطفى الصباغ الثلاثي الذي كانت له مهمة الإشراف على الجريدة وذلك لإنقاذ الموقف، وطلبا مني أن اتصل بعلال الفاسي لكي يقوم بصياغة افتتاحية أو يبعث لنا إحدى افتتاحياته المعدة سلفا، فاتصلت بعلال فقال لي « اتفقوا أنتم الثلاثة واكتب أنت الافتتاحية »، فكتبتها واتصلت به لكي أتلو ما كتبت على مسامعه، فرفض ذلك وقال لي « سأقرأها على صفحة الجريدة كسائر القراء »، وهكذا تمت الأمور وقرأ الافتتاحية ولم يعقب بكلمة واحدة، وفي الغد تغيب أيضا عبد الكريم غلاب، وعرفنا أنه اختلف مع اللجنة التنفيذية ثم اختفى لمدة ثلاثة أشهر، ولم نعرف لحدود اليوم سبب خلاف غلاب مع اللجنة التنفيذية لأن اجتماعاتها كانت تحاط بسرية تامة،.

وهكذا أصبحت مكلفا بكتابة الافتتاحية، وفي إحدى زيارات علال الفاسي للجريدة قال لي « إنك تكتب في الجريدة بأمان الله، إنك استقلالي » ، وعندما اقترب مؤتمر الحزب في فبراير 1965، ولم يكن قد مضى على عملي في جريدة « العلم » سنة ونصف، استدعاني عبد الخالق الطريس وبرفقته محمد الدكالي سفيرنا الحالي في المجر، وقال لي الطريس: « ماهي اللجنة التي اخترت الانضمام إليها في المؤتمر » فأجبته : »أنا هنا من أجل التغطية الإعلامية ولست استقلاليا »، فأكد كلام علال الفاسي وقال لي: « بل أنت استقلالي، قم مع الدكالي وسيسجل اسمك مع المؤتمرين في لجنة العلاقات الخارجية » والتي كان الطريس رئيسا لها، وبذلك شاركت في أشغال المؤتمر وحزت عضوية المجلس الوطني، ثم اللجنة المركزية.

– وماذا عن جريدة الحزب الناطقة بالفرنسية؟

+ في 1965 كان إدريس الفلاح مدير جريدة « الأمة الإفريقية » قبل أن يتغير اسمها إلى « لوبينيون »، ألقى علال الفاسي خطابا قويا جدا وذلك قبيل انتفاضة مارس 1965، واستشهد بمقولة لجمال الدين الأفغاني: « يمكن لشعب أن يعيش بدون ملك، ولكن لا يمكن لملك أن يعيش بدون شعب » ومع صك إدانة بتزوير الانتخابات وانتشار الطغيان وغيرها، وترجم الفلاح العبارة بالفرنسية ووضعها على الصفحة الأولى والبنط العريض « un peuple peut vivre sans roi. Mais un roi ne peut pas vivre sans peuple

فاعتقل إدريس الفلاح، رغم أننا نشرنا نفس العبارة باللغة العربية على الصفحة الأولى للعلم، واتضح أن أصحاب القرار كانت تؤثر فيهم الفرنسية أكثر من العربية، رغم أن عبد الكريم كان على خلاف كبير مع الملك الراحل الحسن الثاني، بسبب ما ينشر في العلم، وأذكر مرة أن الملك رشح غلاب لتقلد منصب أمين عام مساعد لجامعة الدول العربية باسم المغرب، لكي يرتاح من افتتاحياته التي كانت تزعجه.

– كيف ساهمت مواقفكم لتلك المرحلة في مواجهة السجن وإغلاق مقر الجريدة وحجز أعدادها؟

+ لم يكن الملك الراحل يطيق عبد الكريم غلاب، فالجريدة كانت تخلو من المجاملات، وهكذا تربينا، وقد عشت هذا الموقف عندما توليت وزارة الاتصال وقال لي اليوسفي « خصكم تصبروا » فقلت له: « الشعب يعطيك هذا الحق في الصبر، أما أنا فعندما تسلمت الوزارة فالشعب ينتظر مني شيئين: قانون جديد للصحافة والمجلس الأعلى الذي يسمى اليوم بالهاكا، وإذا لم أقم بانجاز هذين المشروعين فان الناس يقولون « المساري عجبو ايحلو ليه الناس الباب ثم يغلقوه بعد مغادرته ».

– كنتم من أحد أعمدة اتحاد كتاب المغرب، ثم رئيسا للاتحاد بعد أن قمتم كاستقلاليين بالإطاحة بمحمد عزيز الحبابي هل يمكن أن تحدثنا عن ذكرياتكم لتلك المرحلة؟

+ لقد علمنا علال الفاسي أن نكون أقوياء، وعندما كنت في اتحاد كتاب المغرب في 1970 طلبنا من علال الفاسي أن يلقي محاضرة ، وكان في المنصة علال الفاسي وعبد الله العروي يناظران وجها لوجه، وكنت عضوا مع عزيز لحبابي في مكتب معين ثم انتخبت في مكاتب أخرى في عهد غلاب ومحمد برادة، والأستاذ لحبابي لم يكن ملتزما سياسيا وكان يقوم بممارسات لم تكن ترضينا، وفي المؤتمر الثالث الذي عقدناه في مدارس محمد الخامس كونا  لائحة مشتركة مع الاتحاديين وشكلنا مكتبا مشتركا حيث انتخب غلاب رئيسا وزنيبر نائبا للرئيس وانتخبت كاتبا عاما وحصل عباس الجراري على منصب أمين للصندوق ومن بعده احمد صبري، وقد استمرت أشغال المؤتمر إلى ما بعد منتصف الليل، وقد جاء عبد القادر الصحراوي الذي كان قد غادر للتو زارة الإعلام وطلب منا أن نرفع برقية ولاء للملك، وكان المؤتمرون قد رفضوا هذا الطرح،  وصعد عبد الجبار السحيمي إلى المنصة وقال: « نحن ليست لدينا عقدة في التخاطب مع الملك، وليس لدينا مانع أن نرسل إليه برقية تهنئة وقد أرسلنا له برقية عندما ولد ولي العهد، ولكننا لن نقبل أن يقدم شخص من بيننا هذا الاقتراح ليصعد من جديد إلى الوزارة »، وكانت جملة قاسمة، حيث توجهت رئيسة المؤتمر مليكة العاصمي إلى القاعة وطلبت من المؤتمرين التصويت بنعم للبرقية أو لا ضد البرقية، وكنا قد عبئنا المؤتمرين الاستقلاليين وطلبنا منهم الالتزام بموقف عبد الجبار، وصعد من جديد عبد القادر الصحراوي وقال « اللي كايشطح مكيخبيش وجهو، أنا مع البرقية وأقول نعم وأطلب من القاعة التصويت برفع الأيادي »، وخفنا ساعتها على المناضلين الاستقلاليين الذين كانوا يشتغلون في القطاع العام من الفصل إن هم امتنعوا عن التصويت، وبمجرد ما قال الصحراوي هذه العبارة قام عباس برادة مثل ثور هائج وخطف الميكرو وقال « أنا كنشطح وماكنخبيش وجهي، سجلي هذا أيتها الرئيسة » وتم توقيفه من وزارة الخارجية وانتدبنا له المحامي محمد بوستة إلى أن عاد للعمل، ومر المؤتمر في تلك الأجواء، وعرفنا من بعد أن اوفقير ذهب إلى الملك أثناء أشغال المؤتمر وقال له « إذا أذنت لي يمكن أن أزج بالجميع في السجن » وقال له الحسن الثاني « هل معهم علال الفاسي » فرد اوفقير « نعم:  » فقال الملك « هذا لا يليق في حضرة علال ».

– هل هذا التحالف بينكم وبين الاتحاد للإطاحة بالحبابي، كان بادرة أولى لتشكيلة الكتلة الوطنية؟

+ لقد شجع هذا التنسيق الناجح بين الاستقلال والاتحاد علال الفاسي على السير في إطار توحيد رؤى الحزبين، واقترح علينا في اتحاد كتاب المغرب أن نقوم باحتضان مناظرات كبيرة بين الاتحاديين والاستقلاليين لمناقشة أمهات القضايا في البلاد وخاصة التعليم والفلاحة والإصلاح الزراعي، وهكذا عقدنا مناظرات في هذا الشأن، واخترنا أماكن محايدة في الاتحاد المغربي للشغل ومدارس محمد الخامس وذلك لاستحالة حصولنا على قاعة عمومية، وكانت تلك الأنشطة هي مطبخ الايديلوجية المشتركة للكتلة الوطنية، حيث تلاقحت الأفكار وبعد أشهر أعلنت الكتلة الوطنية بعشرة أعضاء خمسة من الاستقلال هم علال، بوستة، الدويري، الفيلالي القادري، ومن الاتحاد عبد الله ابراهيم والمحجوب، بوعبيد ولحبابي.. وهم ممثلو المكتب الرئاسي، كانوا يجتمعون في الرباط لتحديد المواقف، حيث صدر أول موقف للكتلة الوطنية ضد التصويت على دستور 1970.

كان حزب الاستقلال المبادر للاتفاق مع الاتحاد، وفي انتخابات 1963 قدمنا للاتحاديين مقترح التقدم بمرشح مشترك فرفضوا، ولكي نظهر لهم حسن النية لم يتقدم أي مرشح استقلالي أمام عبد الرحيم بوعبيد في القنيطرة، وأمام المهدي بن بركة في يعقوب المنصور بالرباط، وليس هذا ضعفا بل للتعبير عن رغبتنا في توحيد الصف، ولو أن العديد من الاستقلاليين لم يعجبهم طرح القيادة وعلى رأسها علال الفاسي.

– لماذا هذا الإصرار الاستقلالي على توحيد الصفوف مع الاتحاديين الذين كانوا قد انشقوا عن الحزب؟

+ في تجربة 1963 كل ما كان يشغلنا هو مواجهة « جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية » المعروفة اختصارا ب »الفديك » والتي أسسها رضا اكديرة والحسن الوزاني ثم احرضان وغيرهم، وتقدموا إلى الانتخابات التشريعية وكنا ساعتها في العلم قد أصدرنا عددا يحمل عنوانا صارخا بعد معرفة النتائج « حزب الاستقلال يُسقط ثمانية من وزراء الملك »، وقد تمكن مناضل استقلالي هو الحاج حمادي أمزري من إسقاط احرضان في قبيلته، وقد جاء إليه هذا الأخير يطلب منه التنازل عن المقعد وذلك بنهج أسلوب القبيلة وهو « ذبيحة العار »، لكن الحاج حمادي قال له: « لك علي صوتي أما القبيلة فدونكها »، ونجح حمادي رغم أن الانتخابات شابها التزوير، وقد نشر حزب الاستقلال حينها كتابا بأسماء خمسة آلاف اسم وعنوان لاستقلاليين مضطهدين في حملة الانتخابات إما مسجونين أو مطرودين من الخدمة أو تم توقيفهم وغيرها من التهم، وحصل بن نبكة وهو استقلالي في أبي الجعد على أعلى الأصوات وتم الاتصال به على أعلى مستوى، وقالوا له « إن الملك يريد ملاقاتك » فصعد إلى ايفران حيث استقبله المستشار إدريس المحمدي ووجهه لما يجب أن يقوله في حضرة الملك ثم التقى الملك الراحل الحسن الثاني بن نبكة وأشاد به وبأسرته العريقة في أبي الجعد، فرد بن نبكة « منذ أن ولدنا ونحن لا نعرف إلا شعارا واحدا: الله الوطن الملك وحزب الاستقلال، فأمر الملك بانصرافه قائلا لمستشاره : »هذا ما فاهم والو! »

– ما هو موقف علال الفاسي من انتخابات 1963؟

+ في مؤتمر الحزب لسنة 1963 ألقى علال الفاسي التقرير المذهبي للحزب، وكان الملك الراحل قد تزوج حينها من عائلة امحزون، فقال علال الفاسي « ماشي بدلنا قايد في الاستعمار انجيبوه في الاستقلال، على آل امحزون أن يسلموا الأراضي لأصحابها، وطالب بتحديد الملكية، وكان الاتحاد العام للشغالين يشتغل بقوة في خنيفرة وزيان واصطدموا مع آل امحزون، وكان موقفا قويا من علال الفاسي، وفي تلك الظروف اقترح اول مقترح قانون لإصلاح قانون الصحافة وقدمه عبد السلام بادو والد ياسمينة وهو « إلغاء صحافة مصر »  كما طالب الاتحاديون بتغيير الفصل 77 من قانون الصحافة الذي يعطي الحق للعمال بمصادرة الجرائد  وصودق على القانونين بالأغلبية، حتى أصبحوا يتساءلون من صوت مع المعارضة وكان قد صوت أعضاء من الفديك. وهذا الموقف أجهض مخططات الجبهة.