أخبار الهدهد

غرائب ونوادر الحسن الثاني مع فنانين دخلوا القصر لأول مرة

ven 11 Sep 2015 à 13:44

ولد الغشوة
لكل عصر رجالاته، وخلف كل منطق للحكم يقف رجل يحتكر السلطة، أو بعضها، وحاشية تؤسس للمنطق ذاته بإنتاج فلسفة تنظر لهذا النمط من الحكم.
هكذا هي طبيعة الأنظمة السياسية في المجتمعات العربية عند الجيل الأول والثاني ممن ساسوا الجغرافية العربية، حيث يعض الزعيم على الحكم بنواجذه، ويتصرف في الدولة كما لو أنها قبيلة.. يحتكر الثروة ومنابعها، ويُنَظِر للشعب كما لو أنه حظيرة، الناس فيها مجبولون على الطاعة، أما نخبتها السياسية، الفكرية والمثقفة، فهي مجرد آلات جوفاء لا دور لها إلا تمجيد سياسة الحاكم وإنتاج الأفكار التي تجعل نظرة الناس حبيسة دائرة مغلقة.
والواقع إن هذا المنطق الذي ساد العديد من الأقطار العربية خلال القرن العشرين، لم يجد له عموما ظلا في مغرب الحسن الثاني، حيث كان الملك آنذاك، منذ أول يوم له في تدبير الحكم، يتفاعل مع جيل مخضرم من السياسيين الكبار.. بل وجد – عكس العديد من الزعماء العرب – من يقول له « لا يا سيدي.. »، قبل أن يتمكن من خلال أسلوبه المتفرد في الحكم من صناعة نخبة جديدة تشتغل تحت ظل السلطان، وتستدفئ تحت عباءة أمير المؤمنين، وتلعب وفق منطق رئيس الدولة.. ولعل تَمكُّن الملك الراحل الحسن الثاني من إبداع فلسفته في الحكم، هو ما جعله في نهاية المطاف يتصرف بمنطقين، الأول يظهر من خلاله كسلطان عربي وصي على شؤون الدنيا والدين، حيث يتصرف كخليفة الله في الأرض داخل جلباب أمير المؤمنين وحام يحمي الملة والدين… والثاني يترك الانطباع أنك أمام ملك عصري، عاشق للحياة، وناهم لفكر فلاسفة عصره ومنفتح على السياسات الدولية المتأرجحة وقتذاك بين ثنائية قطبية وحلفين استراتيجيين (أمريكا والسوفيات).. كما يحدث أحيانا أن يظهر الملك موغلا في التقليدانية وعصريا في نفس الوقت، بالقدر الذي يدفعك إلى الجزم بكونك أمام ملك عرف كيف يمزج بسلاسة بين الأصالة والتجدد.
فهو من جهة – كما ورد في مطبوعات المملكة المغربية – « اجتمعت في شخصه الكريم همة أجداده الميامين من حنكة وشجاعة المولى إسماعيل وعالمية سيدي محمد بن عبد الله، وسلفية المولى سلميان، وورع مولاي عبد الرحمان وتجديد جده المولى الحسن »، ومن جهة ثانية، كما قال أحد اعضاء أكاديمية المملكة « كان هدف الملك هو مغرب الحداثة وليس تحديث المغرب »، مما يعني حسب أحد المحللين لفكر العروي، أن الحسن الثاني كان له مذهب خاص تنصهر فيه المذاهب، حيث « أدرك أن الحفاظ على التقاليد السلطانية لا يعني الاستمرار في تسيير البلاد بنفس الأساليب التقليدية ».
إن هذه التوصيفات، هي التي تجعل كثيرين، يجزمون على أن الملك الراحل الحسن الثاني كان لوحده يشكل ظاهرة.. ذلك أنه بالإضافة إلى صناعته كاريزما الزعيم والإمام والسلطان والملك والرئيس، ظل دائما مميزا عند المغاربة بملك القرب الذي قد ينزع عنه عباءة السلطان لتجده قريبا من الناس، يأكل نفس طعامهم، يتحدث نفس لغتهم ويتداول نفس نكاتهم… إنه شخصية غريبة بفكر متحرر، فهو من جهة يجسد ذاك الامتداد التاريخي للملوك والسلاطين العلويين في شتى تمظهراتهم، ومن جهة أخرى ظل يجمع في منطقه بين العبقرية والاعتدال، فهو الأنيق المنفتح على موضة عصره، والفقيه الملم بشؤون الدين، الذي قد يوقف خطيبا عند المنحول من الشعر، أو الضعيف والحسن من الحديث الشريف، والناسخ والمنسوخ من الديانات السماوية والمحكم والمتشابه في القرآن الكريم..
هو أيضا المفعم بروح رياضية عالية والمداعب الجيد للكرة، أيام كان يحج إلى إحدى شواطئ مدينة الجديدة وهو ولي العهد، للتدافع مع من سيحكمهم مستقبلا على الكرة داخل ملعب من رمال، بل إنه – ولو مجازيا – فيه شيء من داهية الإسلام عمر بن العاص حين يجد نفسه في قلب المكائد، وله نصيب من هيلمان الخليفة العباسي هارون الرشيد، حيث يحيط نفسه بالشعراء والمبدعين.. وفوق كل ذلك، إنه فنان إلى حد الإبهار – هكذا وصفه عمالقة الطرب والغناء المشارقة قبل المغاربة، ممن صبغوا أجواء القصر الملكي في عشرات المناسبات بأجواء الفرح « الكرنفالي »، لقد قيل عن الحسن الثاني – منذ وفاته في صيف 1999 إلى الآن الشيء الكثير – لكن في هذا الملف، ستجدون أنفسكم أمام ملك، كما لو أنكم لم تعرفونه من قبل.. لنتابع
للملك الراحل الحسن الثاني حكايات كثيرة مع الفن وأهله، فهو عاشق للفرجة بامتياز، وولوع ببعض الألوان الموسيقية التي يتقنها إلى حد التفوق على محترفيها، هكذا يقول عنه من وجدوا أنفسهم في رحاب القصر الملكي كضيوف بين يدي الحسن الثاني..
إن قصصه مع الفرجة وصناعها، تفوق – حسب أحد المهتمين بميولات الملك الراحل – فتوحاته العلمية والفكرية.. ولعل الغوص فيها، أوفي جديدها، قد يكون مفتاحا في حد ذاته لفهم « ظاهرة الحسن الثاني » حيث الشخصية المركبة.. المنفتحة على الثقافة الغربية، والمتشددة في الآن ذاته حين يتعلق الأمر بعضه بالتواجد على « تامغربيت » والقيم الإسلامية المثلى.
يرى أحد المفكرين، ممن اشتغلوا على شخصية الملك الراحل الحسن الثاني « المزدوجة »، أنه كان يتواصل كثيرا مع المنفتحين من ذوي الثقافة العصرية، خاصة زعماء اليسار، مع ربطه علاقات متينة مع المحافظين من رجال الدولة، علماء، فقهاء، شيوخ الزوايا.. هذا مع تفضيله مرافقة التكنوقراطيين ممن ليست لديهم مطامح سياسية، لأنه في نظر المفكر، لا يحب التنظير، ولا يحب أيضا طرح الأسئلة، ذلك أن طرح السؤال بالنسبة له، يدل على انعدام الواقعية، وأيضا على وجود خطأ في التقدير، ولعل ذلك هو ما يبرر نفوره من الإيديولوجيين، وقد يكون ميل الحسن الثاني أو نفوره من هؤلاء في كفة، لكن ميله للفنانين، والمبدعين والتصرف بينهم بسجية يمكن وضعه في كفة ثانية، وقد تكون هي الراجحة في نهاية المطاف.
فمثلما أحاط الملك الراحل نفسه بمجموعة من السياسيين، العسكريين، وخبراء في مجال الأمن والاقتصاد، أحاط نفسه أيضا بزمرة ثانية، هي أحب إلى نفسه من كل هؤلاء، وهم أهل الفن ومحترفيه، حيث كان يخصص لهم جناحا خاصا بقصره، أو حول بعض أروقته إلى مختبر فني لإنتاج الروائع التي غالبا ما يعود إليها المغاربة في زحمة الأغاني التجارية بنوع من النوستالجيا الجميلة، وهكذا، كان لابد من خلال كثافة السهرات والحفلات التي اعتاد الحسن الثاني على تنظيمها في قصوره، أن تفرز قصصا وحكايات عن « الفنان » الذي أصبح ملكا.
في هذا الإطار يحتفظ سعيد هبال، صاحب كتاب « أصدقاء الملك » بأرشيف من التسجيلات التي حاول من خلالها عشرات الفنانين الذين أحاط بهم الملك الحسن الثاني نفسه، من إنتاج الروائع في حضرته، حيث تضم قصصا وغرائب ونوادر لم تنشر من قبل، غير أنه يفضل من خلال حديثه لـ »الهدهد » أن يجمعها في الجزء الثاني من كتابه حول حياة الملك الراحل، غير أن هذا لم يمنعه من الكشف عن بعضها لـ « الهدهد »، التي كانت سباقة حسب قوله إلى إماطة اللثام عن حكايات الملك مع الفنانين.
الحسن الثاني « فَشْ » العجلات الأربعة لسيارة عبد الوهاب الدكالي..
الملك في عصره.. في قصره، والفنانون يعطون كل ما لديهم، يسعون إلى الرقي بفنهم إلى ذوق الحسن الثاني الرفيع.. ففي صورة غريبة، كانت حدة التنافس بين الفنانين حامية الوطيس حول من سيلهب الإحساس المرهف للملك بالقاعة المخصصة في القصر للفن والإبداع، وخارج القصر كان المتنافسون يجتمعون.. و يسمع بعضهم بعضا مادته الفنية قبل أن تطرب لها أذنا الملك.. إنهم أشبه بخلية النحل المجبولة على إرضاء ذوق الملك و »إن كان التنافس هنا لا يفسد للود قضية ».
ذات يوم، استدعى الحسن الثاني مجموعة من الفنانين إلى قصره بمدينة إفران، وكان ضمنهم الفنان عبد الوهاب الدكالي.. وحسب سعيد هبال، الذي استقى عناصر الحكاية من عدة مصادر، إن صاحب أغنية « ما أنا إلى بشر » أخطأ التقدير والتوقيت، ذلك أن الملك كان غالبا عندما يستضيف الفنانين إلى قصره يتأخر بعض الشيء عن موعد انطلاق الحفل، فيضطر الفنانين إلى الانتظار، لكن خلال هذا الحفل، « مشى عبد الوهاب الدكالي بفكرة أن الملك غايتعطل كعادته »، لكن الذي حدث أن الحسن الثاني لم يتأخر خلال ذاك الحفل، حيث التزم بالتوقيت الذي حدده سلفا، وحينما حضر سأل عن الفنانين، ليجيبه « المكلف » بأن الكل حضر في موعده إلا الفنان عبد الوهاب الدكالي.. « حاولوا ربط الاتصال به، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، لأنه لم يكن وقتذاك الهاتف النقال.. لكن عندما حضر الدكالي، استضافوه مثل سائر الفنانين.. وظل ينتظر، « النوبة » لكي يؤدي وصلته الغنائية، حتى بقي هو الأخير »، يقول هبال، موضحا في الوقت ذاته، أنه بالرغم من انتظار فرصته للغناء إلا أنه لم يؤدي وصلته الغنائية، حيث تم إقصاءه عمدا، « والأكثر من ذلك – يقول هبال – أن عبد الوهاب الدكالي عندما خرج من قاعة الحفل، وهو متذمر من معاقبته بسبب تأخره عن الموعد، وجد سيارته في حالة غريبة، حيث اكتشف بأن العجلات الأربعة لسيارته « مفشوشة »، فاضطر في عز البرد القارس وتهاطل الثلوج الذي طبعا طقس المدينة الجبلية (إفران) إلى المبيت داخل سيارته، « وقد حكى لي مصدراً أن بعض خدم القصر و »المخازنية » هم من تدخلوا لإنقاذ الموقف، حيث منحوا الدكالي بعض الأغطية للاستدفاء والاحتماء من قساوة البرد.. ويقال إن الملك الحسن الثاني هو الذي أعطى الأمر كي تفرغ عجلات سيارة الدكالي من الهواء عقابا له عن التأخير.. حيث قال الحسن الثاني (دبا أنا ماشي هو الملك، هذا هو الملك للي جاي في الوقت للي بغا.. »، وحسب هبال كان الحسن الثاني يحب مثل هذه المواقف، لأنها توفر له المتعة وتجعله قريبا من الفنانين وإن كان عقابه لبعضهم بهذه الصيغة فيه نوع من الألفة التي تحدث بين الأصدقاء.