أخبار الهدهد

الحسن الثاني، شيمون بيريز والحاج يونس

ven 11 Sep 2015 à 14:00

ولد الغشوة
بالرغم من شهرته التي كانت آخذة في الانتشار آنذاك، إلا أن الفنان الحاج يونس لم يكن معروفا لدى القصر الذي يتابع التفاصيل الدقيقة عن الفنانين المغاربة، مع أنه كان وقتذاك حسب هبال، عازف عود متميز.. لكن كيف أتيحت له الفرصة لدخول القصر من بابه الواسع؟
كثيرون لا يعرفون القصة الحقيقية لانضمام الحاج يونس إلى شلة الفنانين الذين يصبغون ليالي الحسن الثاني فرحا وبهجة، « ومما يقال الآن، فالفنانين بزيز وباز هما صاحبا الفضل في دخول الرجل إلى القصر، لكن الحقيقة ليست هي هذه… » يقول هبال لـ « الهدهد » قبل أن يستدرك أن الثنائي « باز وبزيز » سبق لهما أن أخذا معهما الحاج يونس إلى القصر للعزف على آلة العود، « لكن هناك قصة أخرى ».
وحسب المصدر، كان السياسي الإسرائيلي البارز شيمون بيريز خلال زيارة لمغرب ونزوله ضيف عند الحسن الثاني بقصر إفران، قد حج إلى المملكة عبر طائرة تابعة للخطوط الملكية المغربية، وكانت (لارام) قد اقتنت بعض المعزوفات الموسيقية لفنانين مغاربة في إطار الترويح للسياحة، كمعزوفات من الطرب الأندلسي، الملحون وصوامت موسيقية كرقصة الأطلس، فرحة الشعب وتقاسيم أخرى، ومن حسن الحظ أنها اقتنت أشرطة للفنانين الحاج يونس وسعد الشرايبي.. وخلال الرحلة، استمع شيمون بيريز إلى تقاسيم على العود، وكان العزف منفرداً، فكان أن أعجب بالعزف وهاله ما سمعه من سلاسة في الترانيم ودقة في الانتقال من مقام إلى آخر.. لذلك اعتقد بيريز أن عازف هذه التقاسيم الموسيقية فنان شرقي من سوريا أو مصر أو العراق، فنادى على أحد الموظفين من الطاقم التقني للطائرة، مبديا إعجابه بالعزف، حيث سأله عن اسم الفنان الذي أذاعوا تقاسيمه بالطائرة، ليجيبه الموظف بأنه مغربي وأن اسمه الحاج يونس، وكان بيريز قد احتفظ بهذا الاسم في ذاكرته.
« ومن عادة الحسن الثاني أنه عندما ينزل عنده ضيف عزيز على قلبه، يضع أمامه ما لذ وطاب من المأكولات من باب كرم الضيافة، لكن السؤال الأول الذي يطرحه عليه هو « ماذا تحب أن تنصت في التلاويين الموسيقية؟ ثم سؤالا آخر، « أين تريد أن تتجول بالبلاد؟ » يقول هبال، لكن عندما حل شيمون بيريز ضيفا على الملك، وبعدما أكل وشبع وتباحثا في بعض القضايا، طلب الحسن الثاني من ضيفه أن يختار ما يود سماعه من موسيقى، فما كان من بيريز إلا أن أجابه، بأنه سمع عزفا بالطائرة التي أقلته إلى المغرب وأن صاحبه يدعى الحاج يونس، آنذاك أعطى الملك الحسن الثاني أمراً بإحضار عازف العود إلى القصر، وكانت هذه هي أول مناسبة سيعزف فيها الحاج يونس أمام الملك.
« يحكي لي الفنان الحاج يونس، أن بعض العناصر قدموا إليه في سيارة سوداء اللون، ولما وقفوا أمامه اعتقد بأنه سيختطف، حيث سألوه: (هل أنت هو الحاج يونس؟ فأجاب، نعم ليردوا احمل معك عودك ورافقنا..) دون أن يخبروه عن الوجهة »، يقول هبال، قبل أن يضيف على لسان العازف « مللي مشيت لقيت الملك والضيف ديالو جالسين.. سلمت عليهما باحترام والخوف يعتريني، ولم أعد أقوى على العزف، فلاحظ الملك ارتباكي، وكان ذكيا، حيث أمر الجوق بالعزف ثم قال لي بالفرنسية « Il te met à l’aise »، بعدها وفروا للحاج يونس قاعة مكيفة كي يرتاح، وهكذا أخذ يسترجع أنفاسه، حيث دخن سيجارة واحتسى فنجان قهوة، وتناول حبة « أسبرو » كانت بجيبه، وبعد مرور وقت ليس باليسير، أمر الملك بعد الخدم « شوفو الحاج يونس واش مرتاح ومستاعد للعزف »، لأن الحسن الثاني – يقول هبال – فنانا، ويعرف أن الفنان هو حزمة أحاسيس وليس آلة يمكن الضغط على زرها كي يشتغل، لذلك عندما مثل الفنان بين يدي الملك كان مرتاحا نسبيا لأنه يقف أمام رجل هو فنان قبل أن يكون ملكا، وهكذا طلب الحسن الثاني من الحاج يونس أن يعزف تقاسيم كتلك التي سمعها بيريز وهو على مثن الطائرة – يقول هبال « حكى لي الحاج يونس أنه شرع في العزف أمام الملك وضيفه، وحرص على ألا ينظر في عيني الملك أو بيريز، حيث قال لي « كنت كانعزف وما قادرش نشوف فيهم، لأنني لو هزيت عيني وتلاقات عيني مع عينين الملك أو بيريز كنت غادي نفقد التوازن ديالي »، وكان أن عزف الحاج يونس تقاسيم مرتجلة غير مسبوقة بالنسبة له »، وحسب هبال، أعجب الملك بالعازف الوافد الجديد إلى القصر، فقال للحاج يونس « أنا أستمع إلى البيضاوي والمشارقة من أمثال فريد الأطرش، لكنني اليوم أستمع إلى مدرسة جديدة في العزف »، حيث كان الملك الحسن الثاني أول مرة سيشاهد فيها الحاج يونس وينصت إلى عزفه.
الملك يضرب فخذيه غاضبا ويقول: « أنا دايرين بيا غير الشفارة »
كان الحسن الثاني كريما مع ضيوفه من الفنانين، حيث ظل يغدق عليهم من ماله، حتى يعيش الفنان في مستوى عيش يليق به، لكن كان هناك من يأخذ نصيبه من عطايا الملك للفنانين، فيوصلها إلى أصحابها منقوصة بعدما يقتطع منها أكثر من نصفها.
وحسب هبال، كان الفنانون بالقصر لا يتقاضون أجورهم كاملة، مستدلا بمجموعة ناس الغيوان، فذات مرة غنت المجموعة أمام الملك بعضا من أغانيها المشهورة، ولما انتهى زمن الحفل، سأل الحسن الثاني بعض أعضاء هذه المجموعة « صافي تمتعو، وتهلاو فيكم..؟ » فأجابه عمر السيد والراحل العربي باطما « نعام سيدي تهلاوْ فينا.. »، فسألهما الحسن الثاني مرة ثانية عن المبلغ الذي تقاضته المجموعة، فردا « عطاونا الخير والبركة.. »، لكن الحسن الثاني ألح في معرفة المبلغ فأجابه أحدهما بأنهم تقاضوا 8 آلاف درهم..
آنذاك، اندهش الحسن الثاني، وضرب بيديه على فخذيه للتعبير عن غضبه، حيث قال « أويلي هاذ 8 آلاف درهم ديالاش.. واش 8 آلاف درهم للواحد..؟ فرد عليه أحدهم « لا يا مولاي 8 آلاف درهم للمجموعة بأكملها » ليقول الحسن الثاني « أنا راه دايرين بيا غير الشفارة هنايا »، وكانت هذه الواقعة حسب هبال، من أسباب طرد الفنان أحمد البيضاوي من القصر الملكي، لكن، يضيف المتحدث، بأن الوحيدة التي كان يمنحها الملك المال لتوزيعه على الفنانين بأمانة هي الفنانة الشعيبية العذراوي، حيث كانت تمنح عبد الرؤوف وبلقاس حقهما غير منقوص، في حين كان هناك العديد من الموسيقيين من كانوا يأخذون لهم نصيبا من أموال الفنانين الممنوحة من طرف الملك، لذلك، أصبح الملك بعد هذه الواقعة يمنح الأموال شخصيا لأصحابها.
الحسن الثاني و »المرأة المعفونة »
تختزن ذاكرة بعض الفنانين ممن صبغوا أجواء القصر الملكي بليالي الفرح والطرب والفرجة الكثير من مواقف الملك الراحل الحسن الثاني، بعضها ضاعت مع وفاة أصحابها، وأخرى ما تزال حبيسة ذاكرة من لا زال حيا من هؤلاء بعد تفضيله الصمت، بينما النزر القليل يخرج من فعل البوح عند قلة ممن عايشوا الملك الراحل عن قرب.. الطيب الصديقي واحد من هؤلاء الذين كشف في كتاب « أصدقاء الملك » عن جوانب من حياة الحسن الثاني الفنية، التي تبرزه كملم بكثير من الأشياء.
فالحسن حسب الطيب الصديقي لم يكن يناقش الفنانين في مجالهم فحسب أو السياسيين والمثقفين والرياضيين، بل كان أيضا يناقش حتى المعماريين حول تفاصيل دقيقة تتعلق بفن العمارة وأنواعها.. ذات مرة قال أحد الفضوليين للملك الراحل « نعام سيدي هذا الزليج راه أعوج »، يقول الفنان الطيب الصديقي، مشيرا إلى أن جواب الملك كان دقيقا، حيث « رد عليه جلالته: ينبغي أن تعرف بأن هذا الزليج هو « بلدي وحلاوته في عووجيته » ولو أردناه مستويا لركبانا زليجا صناعيا »، وحسب الصديقي، كان الملك الراحل يبدي ملاحظاته في كل شيء، اللباس، الأكل، العادات، ودائما يقول كلمته المشهورة « حنا المغاربة هاكا كانديرو ».
أما الفنان عبد العزيز الطاهري أحد الأعضاء البارزين في مجموعة جيل جيلالة، فيتذكر –في كتاب أصدقاء الملك – كيف حضر إلى القصر رفقة المجموعة بمناسبة « شعبانة » التي كان يحييها الراحل الحسن الثاني في أواخر شهر شعبان، وكيف خصهم الملك آنذاك بحديث مطول حول فن الملحون، « طلب منا أن ننشد قصيدة « العاود » و »فالحة » للتهامي المدغري، كما سألني رحمه الله هل أحفظ قصيدة « النحلة » فقلت له نعم يا مولاي، فأنشدت قسما منها.. » ولأن الحسن الثاني كان آنذاك غير راض على أداء بعض وزرائه.. استمع إلى عبد العزيز الطاهري وهو ينشد:
« والسلطان اطبيب والرعية مضرورة..
لا وزير ليه يبلغ الخبار
ويجيب الشربة لمن اتضر
إلى خان الوزير بعدت الوزارة.. »
ما أن أنهى الطاهري هذه الأبيات، حتى طلب منه الحسن الثاني أن يعيد قراءة هذا الشطر أمام عدد من الوزراء وكان الملك أمامهم ينصت باهتمام كبير.
أما مؤسسي مجموعة تكادة الإخوة عمر وأحمد دخوش، فقد سردا في كتاب « أصدقاء الملك » العديد من المواقف التي يظهر فيها الملك الراحل ملما بالموسيقى والتراث أكثر من محترفيها، منها مثلا أن مجموعة تكادة شاركت ذات مرة في إحدى الحفلات المنظمة بالقصر الملكي، وعند انتهاء أعضاءها من أداء بعض أغانيها، قال لهم الملك: « الله يرضي عليكم، عندكم قطعة خالي محمد..؟ »، كان السؤال بالنسبة لهم مفاجئا، لأنهم لم يكونوا آنذاك يعرفونها أو سمعوا بها من قبل، مما يعني أن الحسن الثاني كان وراء إقدام تكادة على أداء هذه الأغنية التي تقول في استهلالها « أخالي محمد.. أشهد على بنتك أما بغات تطيب.. أما بغات تصبن.. مقابلة غير لعجب.. ».
يقول أحد الإخوة إنه بعد استفسار الملك حول قطعة خالي محمد، « سكتنا لأننا لم نكن نغنيها من قبل، فأمرنا بأن نعود في المرة القادمة ونحن نحفظها.. »، عندما عادت المجموعة إلى الدار البيضاء بحثوا عن كلمات القطعة، ولما عثروا عليها وتمكنوا من إيقاعها، قاموا بتسجيلها.. « في لقائنا مع الملك.. قدمناها له رحمه الله فقال لنا: « إنها غير تامة وينقصها الكثير، وكان رحمه الله يحفظ ما لم نقدم بجمعه على شكله الأصلي كما هو متداول في بادية أهل الشاوية »، حيث سألهم الحسن الثاني هل يعرفون اسم القطعة الأصلي غير « خالي محمد »، سكت الجميع، ليسترسل الملك إنها تسمى أيضا « المرا المعفونة ».
الحسن الثاني ينفعل بعدما أساء محمود الإدريسي التصرف في حضرته
بعدما كان يغني ضمن المجموعة الصوتية « الكورال » التابعة لدار الإذاعة والتلفزة وعمره لا يتجاوز 19 سنة، تمكن الفنان محمود الإدريسي من دخول القصر بدون أن يلقى الملك الراحل الحسن الثاني، لكن حلمه في لقائه ظل يراوده إلى أن أتيحت له الفرصة سنة 1970، وهو يؤدي أمامه بالقصر أغنية دينية من تلحين الفنان الراحل صالح الشرقي، لكن رغم ذلك لم يتمكن من لقاء الملك رغم استحسانه لأغانيه.
ظل محمود الإدريسي يتردد حسب تعبيره على دار المخزن مع المجموعة الصوتية، لكن عندما أدى أغنية وطنية، فتحت له الباب للقاء الحسن الثاني، وهي اللحظة التي انتظرها محمود الإدريسي لسنوات، غير أنه لم يحسن التصرف أمام الملك، خاصة بعدما اختلطت في دواخله الفرحة بالدهشة والخوف..
يقول الإدريسي عن لقائه بالملك الراحل « ارتبكت، خاصة بعدما انتهيت من أداء أغنيتي، وبدأ يتحدث معي، فأدخلت يدي في جيب سروالي وأنا أتحدث معه، فقال لي بانفعال: أخرج يديك من جيبك.. إذ لم يعجبه سلوكي الذي اعتبره جلالته « قلة التربية »، ذلك أنه أكد على منظمي هذه اللقاءات الفنية خاصة السي أحمد البيضاوي بأن يعلموا هؤلاء الشباب مبادئ وبروتوكول المثول بين يدي الملك، وكيفية التعامل مع مثل هذه المناسبات.. وأردف موجها كلامه بحدة وغضب « واش أنا كانهضر مع السيد وهو داير يدو في جيبو.. ما تبقاوش تجيبو ليا بحال هذا الناس »، ما إن أنهى الحسن الثاني كلامه حتى أحس محمود الإدريسي بالخيبة وهو الذي جاهد واجتهد من أجل لقاء الملك، حيث اعتقد منذ ذلك الحين أن هذه الفرصة لن تعوض مرة أخرى.. أمام هذا التذمر والخيبة، وجد الإدريسي من يخفف عنه، وهو الفنان محمد بن عبد السلام الذي كان قد تدخل ساعة تأنيب الملك له، حيث أركبه سيارته الخاصة، وغادرا قصر الصخيرات ليلا، وكان أن طلب منه أن ينسى ما جرى في هذه الليلة، حيث قال له « الآن يجب عليك أن تفكر في مستقبلك الفني، واترك الباقي لي.. سوف أعد لك أغنية تفتح لك الباب من جديد ».
مرت شهوراً قليلة على هذا الحادث، ليلحن محمد بن عبد السلام أغنية من كلمات علي الحداني تحمل عنوان « عيشي يا بلادي »، وقد أعدها الملحن كي يؤديها الإدريسي خصيصا في عيد الشباب، حيث أخذت الإذاعة الوطنية سنة 1970 تقوم بإشهارها.. كما صادفت قيام الإدريسي بجولة فنية على الصعيد الوطني.. كانت المحطة آنذاك هي مدينة وجدة، وكان صاحب أغنية « ساعة سعيدة » على موعد مع سهر فنية أمام الجمهور الوجدي، لكنه سيفاجأ في الصباح بمكالمة هاتفية تطلبه للحضور فورا إلى القصر الملكي بالصخيرات على الساعة السادسة مساء، لم يصدق الإدريسي الأمر لكن ما إن حكى تفاصيل المكالمة لبن عبد السلام حتى أكد له صحة ما سمعه، خاصة بعدما ربط الاتصال بدوره بالقصر للتأكد من صحة الأمر.. وحسب الإدريسي لم تخل العودة إلى القصر من مدينة وجدة من طرائف، لقد طلبوا منهما التوجه إلى القصر والحضور على الساعة السادسة، وهي فرصة كان ينتظرها الإدريسي بفارغ الصبر، لكن العودة من وجدة إلى الصخيرات تتطلب يوما كاملا عبر السيارة، لذلك عادا مسرعين حتى وصلا مدينة فاس، لتتعطل بهم السيارة، « اتجهنا إلى أقرب ميكانيكي، لكن إصلاحها تطلب وقتا طويلا، بحيث لم ندخل الصخيرات إلا مع حوالي الساعة الحادية عشر ليلا » يقول إدريسي، قبل أن يضيف « لازلت أذكر أننا غيرنا ملابسنا داخل السيارة، وأخذنا المسؤولين عن الأمن إلى دار المخزن، ولما صعدنا الدرج وجدنا صاحب الجلالة واقفا وهو يقول : »فاين هما هاذ الناس ديال وجدة.. باقين ما وصلوش؟ » دخلنا وسلمنا عليه، وخاطبني قائلا « آخويا هاذ الأغنية ديالك راها بغات تهبلني.. المهم ارتاحوا الآن وغسلوا وجوهكم » يقول الإدريسي، ولما غنى هذا الأخير أغنية حسب سعيد هبال، قال الحسن الثاني لمحمود الإدريسي: « لقد كانت عندي قطعة « حبيب الجماهير » الأغنية المفضلة، والآن أضفت إليها « عيشي يا بلادي »، ذلك أنه منذ تلك اللحظة عادت أبواب القصر لتفتح من جديد أمام الإدريسي بعد « واقعة الجيب ».