أخبار الهدهد

أسرار إعلان الحسن الثاني عن حالة الاستثناء

lun 14 Sep 2015 à 14:44

سال مداد كثير في حالة الاستثناء التي أعلنها الراحل الحسن الثاني، وتضاربت الأنباء حول الأسباب الحقيقية التي دفعت الملك إلى إعلانها، هنالك من ربطها بإضرابات 1984 التي عمت مدينة الدار البيضاء وقتل على إثرها 1152 مغربي، وتحليل آخر أعاد الأسباب الكامنة إلى اتخاذ ذلك القرار الخطير إلى صراع القصر وحزب بن بركة الذي أسس بمرجعية يسارية والذي حمل إسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وتحدي أعضائه البرلمانيين لسياسة أعضاء الجبهة أو « الفديك » الذي أسس لمواجهة مخططات المعارضة، لكن عبد الكريم الفلالي قدم سببا آخر ذكره في الجزء الثاني عشر من كتابه « التاريخ السياسي »، فالفيلالي طرح مشروعا جريئا كان ينوي من خلاله محاسبة 72 شخصية اغتنت من أموال الشعب وعلى رأسها أحمد رضا أكديرة، الذي أصبح متحكما في الديوان الملكي
والداخلية ووزارة الفلاحة في السنة الأولى من حكم الملك الحسن الثاني، وفي السنة التي بعدها نال وزارة التعليم والخارجية وأخذ ميزانيتها بالكامل، وجمع حوالي 750 مليار سنتيم من تلك الوزارات، مدفوعا ب+مرة ثلاثة من اليهود من بينهم يهودي مغربي يدى بنزاكين، فاكديرة جاء إلى العمل السياسي من مطبعة تواركة، حيث كان صبيا لدى محمد رشيد ملين مدير المطبعة، واقترح اكديرة على ولي العهد آنذاك أن يأخذ سلفات من طرف اليهود بفوائد، لا ردها إلا بعد أن يستلم الحكم ولهذا جمعت تلك الأموال لرد الدين.
اقترح عبد الكرم الفيلالي قانون « من أين لك هذا » لمحاسبة اكديرة وانتخب كأصغر برلماني في الجمعية العامة، واجتمع النواب في جلسة للتصويت على القانون المذكور، فدخل اكديرة هائجا إلى قبة البرلمان وصاح في أعضاء اللجنة البرلمانية قائلا: « وهبطوا من تما، شكون قال ليكم طلعوا » وكان الأعضاء يعتلون المنصة النيابية، فرد عليه عبد الكريم الفيلالي « أخرج ولا غادي نخلي داربوك » فصاح عبد الخالق الطريس « واك واك الحق.. » فخرج اكديرة مسرعا، ولأن القانون كان سيحدث فتنة إذا تمت المصادقة عليه، أخبر رضا الملك بما جرى في البرلمان وبأن بعض النواب وعلى رأسهم الفيلالي كانوا بصدد التصويت على مشروع يحاسبه رفقة أشخاص آخرين، فتم اللجوء إلى إيقاف البرلمان وإعلان حالة الاستثناء لخمس سنوات من سنة 1965 إلى سنة 1970.
ولي العهد وربيع الشهوة
بعد الحرب العالمية الثانية عرف المغرب فورة ثقافية شبابية كبيرة في طريقة اللباس والرقص والسيارات وغيرها من المتع عرفت بـ « ربيع الشهوة »، وكان ولي العهد الحسن الثاني في تلك الفترة مرتبطا في ثقافته بشكل كبير، بما روج في فرنسا من أساليب الموضة والحياة الشبابية المتحررة، انفتاح ما كان لولي العهد أن يجاريه، وهو يلقى تربية تقليدية صارمة بين أسوار القصر الملكي، فالراحل محمد الخامس كان يصر على التربية الدينية التقليدية لجميع أبنائه، وحرص على أن لا تجري الأموال في أيديهم، خوفا عليهم من الإخفاق في مسلسلهم الدراسي، لهذا كان مولاي الحسن لا ينال إلا مبلغا زهيداً في عطلة نهاية كل أسبوع وذكر الفيلالي أن مبلغ مائتي درهم التي كان ينالها ولي العهد لم تكن تقنعه، ولهذا بحث عن مصادر الخاصة في التمويل بحيطة وحذر شديد، لأن الملك محمد الخامس إذا سمع عن ذلك، ما كان ليتوانى عن تأنيب إبنه وضربه إن اقتضى الحال، فكان أحمد رضا اكدرة الذي يعمل في المطبعة الرسمية للقصر هو من تكلف بالبحث عن التمويل، فكان يقترض من بعض الأشخاص ويتفق معهم على تاريخ للأداء يكون ذلك باتفاق بعد أن تسلم ولي العهد للسلطة، فتزوج ولي العهد سرا من إبنة أخت بنزاكين لينال الحظوة لدى هذا الأخير الذي كان ثريا، ودافع عنه للاستوزار في أول حكومة بعد الاستقلال والمعروفة بحكومة البكاي، وأصبح بنزاكين وزيرا للأنباء.
كان « ولاد دار المخزن » أي الذين تربوا في كنف الملك محمد الخامس يتساءلون من أين يأتي ولي العهد بكل تلك الأموال، مرة ذكر التاق بنعيش الذي كان في رفقة المخزني « فربطس » لعبد الكريم الفيلالي، وقال بنعيش « إن سميت سيدي غادي يولي يعلب بلفلو راه كيسلف من عند.. » ولن يرد لهم الأموال الآن ولكن عندما يصبح ملكا، فأجابه الفيلالي « إذن خصو دير شي معجزة باش ايرد الفلوس »، ضحك بيعيش وقال له « سد فمك »، وصلت الأخبار إلى ولي العهد فاستدعى الفيلالي وإبنه قائلا « ما تبقاش تعاود اتكلم في هاذ الشي ».
اكديرة يتشبه بالملك
استدعى الراحل الحسن الثاني عبد الكريم الفيلالي بعد نجاحه في الانتخابات التشريعية لسنة 1963 بإقليم أرفود إلى مديرية السويسي، وكان رفقة الملك اكدرة ولغزاوي وغيرهم، وبعد انتظار دام لنصف ساعة خرج الحسن الثاني واكديرة وهما يلبسان نفس اللباس، البذلة والحذاء وربطة العنق وقال الملك للفيلالي « راني فرحان أن ولد الدار نجح مستقل في البرلمان، امضرا كيفاش دازت الانتخابات »، فأجابه « واش نقول الصراحة » فامنه الملك، فقال وهو يشير بأصبعه إلى اكديرة « هاذا راه عدو ليك وللشعب المغري، إنه يقول بأنك أنت من أسست الفديك ومن لم ينخرط فيها فهو عدو لك ». امتقع لون الملك الراحل ورد غاضبا « علاش هو عدو لي وللشعب المغربي ».
وعلق الفيلالي على تشبه اكديرة بالملك قائلا: « كان يريد أن يظهر بأنه هو والحسن الثاني كيف، كيفي، وأنه يحكم برفقته ف شؤون البلاد ».
هوة الاستقلال وولي العهد
في سنة 1955 وقعت هوة بين ولي العهد مولاي الحسن وحزب الاستقلال، سبها هو أن بعض المغاربة فكروا فيما فكر فيه التونسيون أي إقامة الحكم الذاتي تحت السلطة الفرنسية، وكان مضمون ذلك الحكم يقضي ببقاء الراحل محمد الخامس رفقة أسرته في فرنسا إذا اختار عن طوعية أن يكون منفاه في فرنسا، أما إذا لم يرغب في ذلك فيمكنه البقاء في منفاه الاضطراري في مغشقر أو كورسيكا، ووقع شخصان من الحركة الوطنية على وثيقة يحتجان فيها على عودة محمد الخامس من المنفى، وقررت الحركة الوطنية في الجزائر أن يكون يوم من غشت 1955 تاريخا للتضامن مع الملك الراحل محمد الخامس، فقامت معارك قتل فيها في أسكيكدة 171 معمراً، ففتح دوغول خط التواصل مع بعض رجال الحركة الوطنية وحزب الاستقلال وقال لهم « إن محمد الخامس شارك في الحرب الفرنسية ضد النازية بجيش مغربي كبير، ويتميز بوطنيته الكبيرة، وليس أمام الاستعمار سبل للبقاء في المغرب أو غيره » واعطى أمر بعودة محمد الخامس من المنفى، وبعد ذلك، سعى ولي العهد إلى الانتقام من بعض قادرة الحركة الوطنية، ومن بينهم بن بركة الذي قرر الانفصال عن حزب الاستقلال في سنة 1959، وأسباب أو أهداف ذلك الانفصال وتأسيس الحزب الوطنية للقوات الشعبية هو لمناهضة ولي العهد الذي انتقم من بعض الوطنيين، ولابد من ذكر أمر مهم حسب تأكيدات الفيلالي، هو الدور الذي لعبه الوطنيون في الجزائر من أجل عودة الملك محمد الخامس من المنفى حيث قدموا في غشت 1955 مائة ألف شهيد، وهو ما سهل عودة الملك من المنفى قويا، وبمجرد عودته أرسل محمد الخامس الفيلالي إلى شرف مساعدية القائد للحركة الوطنية في غرب الجزائر وحمله رسالة تقول بأن الملك أعطى أمره لوزارة الداخلية وإلى مدير الأمن، بأن يستغلوا الحدود بين المغرب والجزائر في عملياتهم القتالية بكل حرية » وهو ما أزعج الفرنسيين ساعتها.
أخطاء ولي العهد في الريف
كانت التقارير تصل إلى ولي العهد مولاي الحسن عن العصيان المدني لسكان الرف، وبأن الريفيين عصاة يطالبون بالاستقلال وأنهم يهددون الوحدة الوطنية، تقارير قال عنها عبد الكريم الفيلالي أنها كانت تعكس عدم إطلاع ول العهد عن طبيعة عادات القبائل المغربية، فريافة كانوا يطالبون بالعدالة نتيجة إجحاف الإدارة واعتمادها على سياسة الإقصاء، فالريف قامت فيه الثورة ضد الإسبان وتكونت فيه خلية مهمة من جيش التحرير، لكنهم تعرضوا للإهمال، ولم يكونوا يستحقون ذلك القمع الذي قاده ولي العهد وأوفقير آنذاك، ولم تعد العلاقة الاستقرارية الريف والحسن الثاني إلا بتدخل أحد المعمرين الفرنسيين للصلح بين الجانبين.
فأوفقير الذي قاد حرب الريف لم يكن متشعبا بالأفكار الوطنية حسب ما ذكره الفيلالي.
رد خوله إلى العمل رفقة ولي العهد كان باقتراح من طرف الفرنسيين، وأن الملك الحسن الثاني كان يستغل أوفقير بطريقة مذلة(…) لهذا سعى هذا الأخير إلى الانتقام بتنظيم انقلابيين فالسكين وأدى الثمن ذلك بمقتله.
قبائل ايت حديدو تهدي صبيات للملك
إهداء بنات عذراوات من القبائل للزواج بالملوك العلويين عادة قديمة، انطلقت مع المولى إسماعيل أول السلاطين العلويين، حيث ولد عددا كبيراً من الأبناء لإرضاء القبائل المغيرة والصديقة، وكان ذلك سببا في تشتت الحكم بين يدي القبائل، الذين سعى كل واحد منها إلى اختيار سلطان بعد وفاة المولى إسماعيل، ليمسك زمام الحكم العلوي، وعرف ذلك في التاريخ بسنين الاضطرابات والتي دامت زهاء ثلاثين سنة تولى خلالها عدد كبير من أبناء السلطان العلوي للحكم ودارت بينهم حروب كثيرة، حسمتها في الأخير زنب النفزاوية لصالح إبنها المولى عبد الله السلطان العلوي القوي.
هذه السياسة حسب الفيلالي ظلت سارية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، حيث أهدت قبائل أمازيغية وعربية نساء للملك قصد الزواج، ومن طرائف تلك الهدايا حسب ما ذكره المؤرخ الفيلالي، أن قبائل أيت حديدوا هدوا بناتا في مرحلة الصبا لا تتجاوزن عشر سنوات، ومن جملة النساء جيء بفاطة ولطيفة من امحزان بقبائل زيان، وكانت لالة لطيفة أول المنجبات وأم الأميرات والأمراء، وصاحبة الحظوة بين جميع سناء القصر الملكي، واتسمت لالة لطيفة بخلقها الطيب وحكمتها التي تحاكت بها نساء دار المخزن في جلساتهن، وظلت محافظة على مركزها الاجتماع وطباعها الهادئة في جميع محطاتها التي قضتها رفقة الراحل الحسن الثاني.
عبد الكريم الخطب ينخرط في المقاومة بالصدفة
انخرط عبد الكريم الخطيب متأخرا في التنظيم السري لجيش التحرير المغربي، وتولى العناية بالشؤون الطبية باعتباره كان طبيبا جراحا، وأصبح بعد 1955 ممثلا رسميا للمغرب في القاهرة، فالدكتور الخطيب الجزائري الأصل ظل يحمل الجنسية الفرنسة إلى سنة مماته في 2008، ويحكي عبد الكريم الفيلال أن الخطيب دخل باب المقاومة عن طريق الصدفة، فقد كان يشتغل طبيبا في الدار البيضاء ويمتلك عيادة خاصة يشغل فيها ممرضا من مدينة فكيك، وحدث ذات مرة أن جاء إلى عيادته مقاوم فكيكي من عائلة الممرض مصابا بطلق ناري في إحدى مظاهرات الدار البيضاء التي نددت بالاحتلال الفرنسي، فعالجه، ولما علمت القوات الفرنسية بذلك، اصدروا مذكرة بحث في حقه تطالب بمحاكمته بالخيانة وفق القانون الفرنسي، ففر إلى الشمال، هناك تم احتضانه من طرف رجال المقاومة، هكذا تحول الدكتور إلى مقاوم في الخلايا السرية لجيش التحرير يشرف على علاج المصابين من رجال الحركة الوطنية، وأصبح فيما بعد صديقا لولي العهد مولاي الحسن ومستأمنها على أسراره، وكان من الأطباء الذين اشرفوا على عملية الجيوب الأنفية للملك الراحل محمد الخامس، والتي انتهت بإعلان وفاته.
++++++++++++
أسرار انتفاضة
مظاهرات 1964 التي عمت الدار البيضاء وسقط على إثرها 1151 قتيل، قيل في أسبابها الكثير، ولعل السبب الرئيسي الذي أجمع عليه الباحثون والمؤرخون، يعود لسياسة وزير التربية الوطنية آنذاك يوسف بلعباس الذي حرم عدداً من التلاميذ من متابعة دراستهم، وذكر الفيلالي أن السبب الحقيقي يعود لرضا اكديرة الذي كان وزيرا للتربية الوطنية قبل بلعباس، حيث جمع أموالا ضخمة من الوزارة المذكورة ولم يكلف نفسه عناء بناء قسم واحد طيلة فترة استوزاره، في وقت كان الإقبال كبيراً على التعليم، وأوضح الفيلالي أن حوالي مائتي ألف مغربي كانوا يقبلون على التعليم بكل شعبه سنويا، لكن بلعباس الذي استلم الوزارة بعد أكديرة لم يجد أقساما جاهزة لتمدرس أبناء المغاربة، مما دفعه إلى إصدار منشور وزاري يدعوا مواليد 1946 المتمدرسون آن يغادروا مدارسهم ليتركوا الفرصة للمسجلين الجدد، خطة كان يروم من خلالها الوزير الجديد إلى تدارك الفائض في أعداد الراغبين في التمدرس الذين لا توجد لديهم مقاعد دراسية، مما دفع التلاميذ إلى الخروج في مظاهرات كان أقواها ما حدث في الدار البيضاء، ورفعوا شعارات قوية ضد الملك الحسن الثاني كانت فيها تشبيهات مستفزة، مما دفع أحمد الدليمي إلى مكالمة الملك بخصوص تلك الشعارات، فصدرت أوامر بقمع المظاهرات، فقتل 1151 مغربي، وكانت تلك الشرارة التي فجرت العداوة ووسعت الهوة بين السلطة المخزنية والشعب.