أخبار الهدهد

زلافة الدم، قراءة الطالع في عظم الكتف، إخفاء عظم بابا عيشور، سبع بولبطاين، بوهروس.. طقوس غاية في الغرابة تصاحب أجواء العيد الكبير

ven 9 Août 2019 à 22:18

أحمد الحسناوي
بعيداً عن تلك الأضواء التي تسلط بشكل رتيب على أجواء ما قبل عيد الأضحى.. بعيدا عن المهن الموسمية التي تنبعث من رماد المناسبة الدينية كلما حلت تباشير « العيد الكبير » ، كبيع « الجلبانة »، شحد السكاكين والسواطير، المتاجرة في جلود الأكباش (البطاين) وقرونها وأمعائها، وازدهار تجارة الفحم (الفاخر) والتوابل والأدوات المنزلية الضرورية للعيد لكبير، كـ « الشواية، المضاية أو « المسحت » والقضبان.. وشيِّ رؤوس الخرفان.. بعيدا عن أجواء الأسواق الأغنام، حيث ينشط اللصوص ودهاة النصب والاحتيال ممن يوهمون الناس بالربح ويوقعونهم في مطب الخسارة.. بعيداً أيضا عن المضاربات التي يبرز فيها إسم « الشناقة » على حساب « الكسابة » مما يشعل حربا ضروسا في أسعار الأكباش.. بعيداُ عن استغلال بعض الكائنات الانتخابية المناسبة لشراء ضمائر الناس وأصواتهم مقابل كبش العيد.. بعيدا كذلك عن معشر البسطاء اللذين لا يجدون فلسا لرسم الابتسامة على شفاه أبنائهم ولجوئهم إلى بيع بعض من أثاث المنزل لشراء أضحية.. بعيداً عن كل ذلك، يسلط « الهدهد » الأضواء على بعض الطقوس الغريبة المصاحبة لأجواء العيد الكبير، كالاحتفاظ بدم الأضحية و »المرارة »، والنظر في مستقبل الفلاحة من خلال عظم كتف الكبش، وكذا حرص فتيات العديد من البوادي على إخفاء عظم مميز من سقط الخروف لمناسبة « بابا عيشور ».. بالإضافة إلى العديد من الطقوس الاحتفالية ذات الطابع الكرنفالي التي تقف على عتبة الانقراض، كـ « سبع بولبطاين »، و »بوهيروس ».. لنتابع.
طقس « زلافة » من دم الحولي
خلافا لبعض الأسر التي تنضبط كليا للقواعد الدينية في شأن ذبح الأضحية، تلجأ عدة أسر مغربية، المشبعة ببعض الأعراف والتقاليد إلى ممارسة بعض الطقوس الغريبة الموغلة في الدجل والشعوذة تزامنا مع نحر كبش العيد، منها من تضحي قبل الإمام اعتقادا منها أن ذبح الخروف قبل شروق الشمس يجلب اليمن والبركة، ومنها أيضا من تزين الكبش بالحناء ليلة قبل حلول المناسبة لتقديم قربانها في أحسن حلة، بينما أسر أخرى، وإن كانت تعيش في وسط حضري، فهي ما تزال وفية لبعض العادات المتفشية في أغلب القرى والأرياف المغربية، كالاحتفاظ بدم الخروف في صحن أو « زلافة »، أو حرص بعض النسوة على إخفاء « مرَّارة » الخروف لاستعمالها في أغراض فسخ السحر و الطب الشعبي إلى غير ذلك من الطقوس التي لا يتم إحياؤها إلا مع حلول العيد الكبير.
حليمة، ربة بيت (52 سنة) واحدة من النسوة اللواتي يعتبرن مناسبة العيد الكبير فرصة لإحياء بعض من هذه الطقوس الغريبة، إذ تكون وفق تعبيرها أكثر صرامة خلال يوم العيد لتطبيق عادة ورثتها عن أجدادها بمنطقة العونات قبل انتقالها إلى مدينة الدار البيضاء، فقبل نحر الخروف تأخذ حليمة آنية خزفية (زلافة) وتضعها عند عنق الأضحية في محاولة لأخذ أول عينة دم قبل وصولها إلى الأرض، « خاصني نعمر النص ديال الجبانية بالدم قبل لا يطيح للأرض.. هاذ الشي للي شفنا جدودنا كايدروه »، وعن الجدوى من هذه العملية تقول حليمة، « لا أعرف بالضبط متى ظهر هذا الطقس بقريتي، لكنني أظن بأنه يمتد لسنوات طويلة ببعض المناطق المغربية، كالعونات ومزاب وولاد حريز وقرى الغرب وحتى بعض القبائل الصحراوية، إذ لاحظت أن العديد من النسوة المنتميات للمناطق المذكورة يلجأن بدورهن إلى الاحتفاظ بدم الأضحية لمنافعه الكثيرة »، وانطلاقا من حديثنا إليها، يسود الاعتقاد لدى بعض أسر ممن تحرص على هذه العادة، أن دم الخروف يستعمل لإبطال السحر وجلب الحظ، غير أن حليمة ترى عكس ذلك، « حنا مللي كانَّاخدو دم الحولي فالجبانية كانخليوه حتى يكرم مزيان، وكانبخرو بيه لوليدات الصغار للي مراض بالضيقة والراس، ومن غير هاذ الشي فهو ما كايليق لا للسحور ولا للثِّقاف ولا والو.. »، إذ أن هذا الانحراف على العادة مجرد « لخوا الخاوي » تقول حليمة.
إذا كانت هذه المرأة، تحتفظ بدم الخروف لأغراض طبية حسب اعتقادها، فإن السعدية التي تقطن بنفس حيِّها في منطقة التشارك بالدار البيضاء، لها في آنية الدم مآرب أخرى، إذ أوضحت بأنها لا تلجأ إلى هذه العادة لأغراض السحر أو الشعوذة، بقدر ما تحيي من خلالها ذكرى صباها بمنطقة « جمعة السحايم » بنواحي مدينة آسفي، حيث اعتاد آهالي قريتها على أخذ كمية من دم الخروف للنظر من خلاله في مستقبل العائلة، تقول السعدية « إنها مجرد عادة فحسب، بحيث كانت أسرتي تضع (جبانية) دم الكبش في مكان هادئ إلى غاية اجتماعها في ليلة العيد لتناول وجبة الكتف، آنذاك تمنح الجبانية لأكبر نسانا، وكانت جدتي هي التي تحضى بشرف النظر فيها، بحيث تشرع في قراءة مستقبل الأسرة والقرية، وقد كانت تصيب في بعض الأمور وتخطأ في أخرى »، وحسب السعدية البالغة من العمر حوالي 62 سنة، كانت جدتها تمعن النظر جيداً في الآنية لتقرأ ما بين خطوط الدم المتختر وزبَدِه، « كانت كاتقول لينا، هاذ العام غادة تصب الشتا بزاف.. وغايْولدو البقرات عندنا غير لعجولة، وغيزوج فلان ولا فلانة »، وتضيف السعدية « أنا بدوري ألجأ إلى هذه الآنية، وأجتهد في قراءة تعاريج خطوط الدم، ليس للتطلع لأمور الغيب، إنما للتسلية وكذا لتشجيع أبنائي وأحفادي على حصد المكاسب، بحيث أركز على التفاؤل فقط، كالقول مثلا بأن حفيدي سينجح في الامتحان، أو أن إبنتي ستستقر في منزل خاص بها أو ما شابه ذلك ».
عظم الكتف والتهافت على عظم « بابا عيشور »
« مللي كاندبحو الحاولي، خاص لبنات للي باقات بلا زواج يغطسو رجليهم فالدم حفيانات، وما يسَّيْقوه غير لمزوجات، هاذي هي العادة ديالنا » تقول نجوى المنتمية لإحدى قرى مدينة السطات عن الأجواء المصاحبة لنحر الأضحية، وبالنسبة لهذه الشابة التي تقف على مشارف العقد الثالث والعاملة في قطاع النسيج، إن وضع البنات (العزبات) أرجلهن في الدم يجلب لهن الحظ في الزواج، ويمنع تشقق الأقدام ويفك ما يسمى بـ « لعْكسْ »، تقول نجوى « هاذ العادة ما زال كانديروها.. كاتقول لينا الوالدة سيرو فوق الدم وهو سخون، باش إلا كان شي عكس يفكوه صحاب لمكان »، وتقصد نجوى « بصحاب لمكان » الجن المتعطش للدماء وفق الاعتقاد المترسخ لدى أسرتها، وعن العادات الأخرى التي تنضبط لها أسرة الفتاة، حرصها خلال تناول وجبة العشاء في ليلة العيد على منح عظم الكتف الأشبه بالمثلث للجدة أو الجد، قصد النظر في مستقبل العائلة، مع أخذ البنات صغيرات السن عظما آخر من الكتف وإخفائه في ثوب أبيض إلى حين حلول ذكرى عاشوراء، « لبنات الصغار وحتى حنا مللي كنا في السن ديالهم، كايخذو عظم من الكتف أو الرجل، باش يحتافلو ببابا عيشور، كايديروه فكتانة بيضة مع شوية الحنة وراق وكايخزنوه حتال العواشر »، وحسب نجوى إن العديد من القرى المغربية ما تزال وفية لهذه العادة، إذ تقام بها حفلات خاصة بمناسبة دفن بابا عيشور، أو رميه في البئر أو الواد قبل طلوع الشمس، كما تؤلف طقوسه بين قلوب البنات، حيث يقضين حوالي شهر في جمع الأموال من المارة والأهل والأقارب لتوفير المؤن لهذه المناسبة، والتنافس حول من أقام حفلا متكاملا بين دواوير القرية، « نهار كايدفنو لبنات بابا عايشور، كايبكيو مزيان بحال إلى راجل مات بصح، وكايِْغنِّيو « عايشوري عايشوري دليت عليك شعوري »، وفي الليل، كايديرو ليه النْعي، كايغنيو فيه لبنات وكايقدمو فيه لعيالات كسكسو للناس ديال الدوار »، تقول نجوى.
سبع بو لبطاين كرنفال محلي مائة بالمائة
إضافة إلى هذه المعتقدات المتجدرة في الموروث الشعبي المغربي، هناك بعض الطقوس الاحتفالية الموسمية كـ « سبع بولبطاين » و »بوهيروس » التي تحيى مع مقدم كل عيد أضحى، آخذة في الاندثار لعوامل ثقافية محظة،. وحسب محمد (51 سنة خضار)، إن الاحتفال بسبع بولبطاين تراجع بشكل كبير في أغلب المناطق المغربية، غير أن إحدى دواوير منطقة دكالة تحرص على إحيائه لصناعة الفرجة وخلق الألفة بين الناس، « الناس كايحتافلو بسبع بولبطاين عندنا فدكالة سبعيام، كانو كايختاروني في دوار بني عامر باش نلعب هاذ الدور، حيث كنت صحيح وطويل وواقف على الصح »يقول محمد، وحسب المعطيات المتوفرة لدينا، إن هناك مسميات كثيرة لـ « سبع بولبطاين »، وتختلف باختلاف المناطق المغربية التي تحتفل به انطلاقا من أولى أيام عيد الأضحى، فهناك « بولبطاين »، « بوجلود »، « إمعشار »، « بيلماون »، « بوكرعينة »، « هرما » و »بولحلايس »، وكلها ترمز إلى شخص واحد يلبس جلود الأضحية التي تصل إلى سبع « بطاين »، وعن طقوس هذا الاحتفال يتحدث محمد بنبرة لا تخلو من النوستالجيا « سميَّ هذا الاحتفال بسبع بولبطاين لكون الشاب « المختار » للقيام بهذا الدور يلبس سبع جلود (بطاين)، الأولى بالقدم اليمنى والثانية بالقدم اليسرى والثالثة بالصدر والرابعة بالظهر، والخامسة والسادسة باليدين اليمنى واليسرى، والسابعة تُلَفُّ على شكل حزام، بالإضافة إلى وضع جمجمة خروف على مستوى الرأس، لقد كان وجهاء القبيلة يختارونني دائما، بحكم معرفتي الواسعة بأهالي الدوار، حيث قبل الشروع في الاحتفال، كنت أمتطي حصانا، وأشرع تزامنا مع نحر الأضاحي في خطف جلود الأكباش، فيطاردني أهل الدوار للاسترجاع « البطانة »، وكنت أقايضهم بالمال والقمح أو البيض والسمن مقابل تسليمها لهم، وإذا اكتمل عندي آنذاك سبعة جلود، أخطط بمعية أصدقائي للحفل الليلي والأيام الستة التي تليه ».
أما بوشعيب (48 سنة أستاذ) المنتمي لنفس الدوار، فقد وصف أجواء الاحتفال بسبع بولبطاين بالأسطورية، لكونه يعتمد على شخصية خرافية قد تكون حسب اعتقاده مستشفة من بعض الثقافات الدخيلة على المجتمع المغربي خلال العصور الغابرة، يقول بوشعيب « عندما يخرج سبع بولبطاين ليلا يكون مرفوقا بزمرة من شباب الدوار المتنكرين في أزياء نسائية وأخرى لشخصيات مختلفة، ويتقدم إلى منازل الناس في جو احتفالي ممزوج بأهازيج محلية، ويسمي الناس بمسمياتهم، وأحيانا ينقر على رؤوس الناس برجل الخروف، هذه العملية، يحبدها أهالي الدوار، اعتقادا منهم بأنها تجلب البركة »، وحسب بوشعيب، إن شخصية بولبطاين خلال سبعة أيام العيد، تجعل الأهالي ينخرطون بتلقائية في ما يشبه الكرنفال، وتدفعهم إلى العطاء بسخاء منقطع النظير، منهم من يمنح لبولبطاين والموكب المرافق له، السمن، والزبدة، والبيض والصوف، ومنهم من يمنحهم المال، قصد الإعداد لوليمة كبيرة على شرف أهالي القرية.
بوهروس والثأر بين القبائل
بعيدا عن سبع بولبطاين، أو بوجلود، ما زال بعض المغاربة أوفياء للعبة (بوهيروس) التي تبرز هي الأخرى مع حلول كل مناسبة عيد الأضحى، وهي من الألعاب الأكثر شيوعا بين القبائل المغربية خلال العيد الكبير، وحسب الحاجة عائشة البالغة من العمر حوالي 82 سنة، إن « بوهرُّوس » أو بوهيروس، طقس شعبي يتم الاحتفال به خلال اليوم الثاني لعيد الأضحى، ويعتمد بالدرجة الأولى على لعبة غاية في التشويق، لاعتمادها على التباري بين دوارين متقاربين، وترتكز اللعبة أساسا على نفايات عظمية من بقايا عظام الكتف والرأس، يتم تجميعها داخل صرة ورميها داخل الدوار الخصم، وللتوضيح أكثر، تصف عائشة قانون اللعبة، « هو استمرار للتنافس بين قبيلتين أو دوارين تجمعهما روابط كثيرة، ويتم خلال لعبة بوهروس اختيار أقوى شباب الدوار، مع تزيينه وتوفير فرس له من أحسن الجياد، إذ يتم تزين الشاب بأحسن الملابس وتقديمه صرة العظام قصد رميها داخل الدوار الخصم، دون أن يتمكن بعض سكانه من الإمساك به ».
وحسب المتحدثة، إن فتيات القرية ونسائها أيضا، يسيرون في موكب مفعم بالأهازيج خلف الشاب إلى غاية وصوله عند حدود الدوار الآخر، آنذاك يعودون إلى ديارهم، تاريكين مهمة رمي العظام للشاب المختار، « ما حد الولد راكب على العاود ديالو من حقو يتسارا فالدوار الآخر كيف بغا، غير خاصو مايلوحش الصرة ديال العظام »، تقول عائشة، موضحة، أن شباب الدوار الخصم، يكونون على علم بالفارس، بل يصنعون خطط للإيقاع به، وما دام لم يرمي الصرة بعد فهو حر في التجول كما يريد بين أزقة الدوار، لكن بمجرد رميها، تبدأ المطاردة، حيث يحاصره سكان الدوار المنافس بالخيول والبغال والحمير للدفاع عن شرفهم، كما يطاردونه بغرض الإمساك به، « إنه نوع من الاحتفال الذي يقوى من عزيمة الأفراد والجماعات » تقول عائشة، إذ تستمر المطاردة لساعات طويلة، كما تنصب الفخاخ للإيقاع بهذا الذي لطخ سمعة الدوار برمي نفايات قبيلته في فضائهم، « كايبقاو تابعينو حتى يفوت لحدود ديال القبيلة، ديك الساعة كايكون الولد فلت، وكاتبدا الحفلة لكبيرة، ما كين غير الشطيح والرديح.. كنا كانديرو ليلة كايتجمعو فيها كاع سكان الدوار وكاناكلو مجموعين من اللحم ديال الدوار الخاسر، وكابقاو لبنات يغنيو ويشطحوا بالطعارج والزغاريت حتال لفجر » تحكي عائشة، أما إذا ألقي الدوار المنافس القبض على الفارس، فإن الأمور تنقلب رأسا على عقب، حيث يتم التشهير به بعد تكبيله وتلطيخ ملابسه ووجه برماد وسواد أواني الطبخ، « إلى شدوه كيربطوه ويعمرو ليه وجهو بالحموم، وكايركبوه بالمقلوب فوق العاود »، تتذكر عائشة أجواء الاحتفال ببوهروس، وتضيف، بأن أهل الدوار يعتبرون القبض على الفارس انتصار لهم، حيث يقودونه إلى دواره مصحوبا بالأغاني المقللة من شأن أهل القبيلة المنافسة، ويشترطون عليهم الحلول عندهم ضيوفا لتناول وجبة العشاء على نفقتهم، كما يمنحوهم الصرة قصد إعادة الكرة خلال مناسبة العيد الكبير القادم.