أخبار الهدهد

كيف نكَّت المغاربة على السياسيين؟ من هم رموز النكتة؟

jeu 17 Sep 2015 à 12:53

ولد الغشوة
النكتة السياسية تعبير شفوي قصير جداً، غير أن مفعولها داخل بنية المجتمع قد تمتد لعقود وربما حتى لقرون من الزمن.. هي أيضا تتفوق على جل التعابير الشفهية بكونها متمردة، أكثر قدرة على التجدد، مفاجئة، وذات خاصية فريدة في انتزاع الضحك من الفرد والجماعة.. هكذا هي « النكتة السياسية ».. الإضحاك غايتها، والتهكم سلاحها، والألم الذي تتسبب فيه لمن يهمهم الأمر إحدى أعراضها الجانبية، لذلك فهي « سلطة » في حد ذاتها، وفلسفة ترقى بنفسها عن رتابة التنظير، فتسمو إلى ما يشبه « الإيديولوجية » حين يتبناها المتمركزون في الجهة الأخرى من الاتجاه المعاكس لسياسة الدولة.. لذلك، فإن أقرب وصف يمكن أن تتحلى به النكتة السياسية هو أنها « ضحكة للوعي »، إن لم نقل « تفكه العقل »، حينما يطوِّع موقفا سياسيا ويشكِّله داخل قالب كوميدي سلس، سهل الهضم، عذب في التداول، وذي قدرة عالية على توحيد الفهم العام داخل الجماعة الذي يخلق في نهاية المطاف فعل الضحك.. إنها « صناعة » في حد ذاتها.
هل ما زال المجتمع المغربي قادراً على إنتاج النكتة السياسية؟ وهل الفهم العام ما زال بإمكانه استيعابها أيضا.. ما هي ظروف صناعة هذه النكت.. وكيف يتلقاها السياسيون عامة والمستهدفون منها على وجه الخصوص؟ وإذا كان البعض يعتبر النكت السياسية وسيلة للضحك ليس إلا، لماذا هي أكثر إيلاما لمن يهمهم الأمر؟ ثم ما هي وظيفتها.. رموزها وشخصياتها؟ وفوق كل ذلك لماذا يعتبرها البعض سلاح البسطاء في وجه السلطة؟ أيضا، كيف تطورت؟ وما هي أشهر النكت السياسية بالمغرب؟ وكيف كانت حواس الاستثمار عند الزعماء العرب متأهبة لسماع النكت التي تتناولهم في قالب متهكم ساخر؟
النكتة السياسية في عهد ملكين..
ليس هناك تعريف موحداً للنكتة السياسية، ذلك أن مفهومها يختلف باختلاف بنية المجتمع والنظام، وكذا مؤشر الحرية والديمقراطية عندهما.. لذلك اعتبر البعض النكتة السياسية بمثابة رسائل مرموزة للحكام وصناع القرار، جازمين بأنها أخطر سلاح يرفعه البسطاء – بدون ترخيص – في وجه السلطة الحاكمة، أما البعض الآخر، فيعتبرها مثل سهم حاد منقع بالسم.. سريع لإصابة الهدف.. فهي من حيث حمولتها ، تعتبر مجرد كلمات مقتضبة، لكنها مكثفة من حيث المعاني وحدة الخطاب، وتعتمد على التلاعب بالكلمات والعزف على التناقض الذي يطبع أسلوب السياسي في تعاطيه مع ما يهم الناس..
إنها تعبير إنساني ساخر، مغلف في قالب إبداعي محبب إلى النفس، حيث تزرع الابتسامة وتنتزع الضحك من الناس للتفوق على الآلام والإحباطات والأزمات الناتجة عن فشل السياسي في تدبيره للواقع.
ومن حسنات النكتة السياسية في المغرب، أنها بالرغم من قساوتها وشدة وطأتها على السياسة والسياسيين وانتقادها اللاذع لطبيعة عمل الأحزاب، البرلمان، الحكومة، الهيئات الدبلوماسية وسياسة الدولة، إلا أنها ظلت تخلق عند المغاربة فجوة للأمل، وتزدهم قوة هائلة للانتصار على عوامل القهر وكل أشكال الضغط.. بل كانت إبان عهد الملك الراحل الحسن الثاني وسيلة لمجابهة القمع، وأداة لخلق رجة داخل بنية نظام الحكم للفت الانتباه حول ما يجري في الأسفل، وأيضا لتقليص المسافة بين الهرم والقاعدة، ولعل ذلك هو ما جعل الملك الراحل الحسن الثاني حسب البعض، يسأل باستمرار عن المستجد في النكت السياسية التي يتداولها الناس عنه،وأيضا عن الدائرين في فلكه، حيث كانت بالنسبة له أشبه بـ « تيرمومتر » لقياس سياسته في أعين الشعب، لذلك فإن أغلب النكت التي تناولت الراحل الحسن الثاني، كانت غالبا ما تأتي مقرونة بشخصية من مربعه الضيق.. (أوفقير، الجماني، البصري وآخرون)، أو تنتقد بطريقة ساخرة بعض مظاهر البروتوكول الذي كان يعتمده، أو تتهكم على الخارطة السياسية التي رسمها آنذاك لتتماشى وأسلوبه في الحكم، حيث كان الحديث عن بعض شخصيات الملك عبر النكتة السياسية بمثابة جواز سفر لتوجيه خطاب مشفر إليه، على اعتبار أن تناول الحسن الثاني مباشرة في النكت من شأنه أن يؤدي إلى تصادمات قد تفقد النكتة محتواها ورسائلها أيضا.
لكن في عهد الملك محمد السادس، أخذت النكتة السياسية منحى آخر، حيث ركزت بالدرجة الأولى على الضحك المغلف بالسخرية اللاذعة للتركة التي ورثها الملك عن العهد القديم، حيث نجد مثلا كيف تناولت النكتة إدريس البصري مباشرة بعد عزله من وزارة الداخلية في نونبر 1999، واختياره الاستقرار بفرنسا، وتقول النكتة، إن والد البصري رأى صورة لابنه بعد عزله من « أم الوزارات » على صدر مجلة وهو يلعب الغولف بباريس، فقال بمرارة « إيه أوليدي.. رجعتي للعتلة عاود ثاني »، وهي (أي النكتة) تهكم صريح ومباشر للانتماء العروبي للرجل الذي حول وزارة الداخلية في عهد الراحل الحسن الثاني، إلى مؤسسة قمعية بامتياز.
وامتدت النكتة السياسية في « العهد الجديد » لتتناول موقف المغرب من القاعدة، والإرهاب الذي ضرب المغرب، فتهكم على « الإخوانيين » و »الملتحين » بغرض التنفيس عن ضغط المشاهد الدموية التي ظلت تقفز كلما هز انفجار إرهابي الدار البيضاء.. لكن الحاصل، أن النكتة السياسية في المغرب أخذت تفقد وهجها بعدما طبع الفتور العمل السياسي بالمملكة، لتعود النكت حول الجنس والدين إلى الواجهة، وإن كان عهد رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، قد أعاد لها بعض الوهج.. ربما لطبيعته التي يغلب الهزل فيها على الجد، وكذا لتعاطي الإسلام السياسي مع بعض مظاهر الحداثة بشكل سريالي يبعث تلقائيا على الضحك.
عموما يمكن اعتبار النكتة السياسية التي انتعشت مع فوز الإسلاميين في انتخابات 25 نونبر 2011، عبارة عن تفاعل اجتماعي لعموم المغاربة مع اكتساح « البيجيدي » لمقاعد البرلمان، والخوف من تبديد رصيد الاطمئنان الذي تشكل فور تسلمه زمام السلطة في مجتمع يتصارع فيه المحافظ بالحداثي – العلماني، حيث بدا أن النكتة السياسية في « العهد البنكيراني » أخذت تسترجع أنفاسها، وتستعيد قوتها، وتشحذ سلاحها، بعد أن أفرزت تجربة الإسلاميين في الحكم تناقضات كثيرة بين واقع أفرادها وسياستهم على أرض الواقع، إلى درجة أن سياسة الزيادة في الأسعار والضرائب التي نهجها رئيس الحكومة، دفعت البعض إلى ابتكار عدة نكت سياسية، كتلك القائلة إن « بن زيدان زاد في كل شيء، في أسعار المحروقات، الضرائب، الساعة الزمنية، عدد الوزراء… لكنه نقص من شيء واحد هو لحيته فقط ».