أخبار الهدهد

الحسن الثاني و »صناعة النكتة » السياسية

sam 31 Déc 2016 à 13:46

من انفتح على الفن والفنانين، وخصص لهما وقتا ضمن أجندته اليومية لابد أن ينفتح على الترفيه والفكاهة والضحك والسخرية الهادفة، بل لابد له – بحكم ميله للضحك – أن يكون محوراً له ومُشجعا على الابتكار فيه والإبداع في تيماته والحرص على ألا يزيغ عن نطاق « الكوميديا المنتقدة الهادفة ».
الأمر هنا ينطبق على الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان قد حول قصره إلى قبلة لكبار الفنانين في عالم الطرب والموسيقى والكوميديا أيضا.. في القصر، كان الحسن الثاني يحيط نفسه بمجموعة من الفنانين.. يطلب في أوقات معينة أن يحضروا على الفور لصناعة الفرجة والترفيه والترويح عن نفسه المثقلة بأعباء الحكم، فكان حسب عدة مصادر، يطيب له أن يستمتع بـ « سكيتشات » الثنائي بزيز وباز، الذين تشكل النكتة السياسية عصبا محوريا في أعمالهما الفكاهية.. ويحب أن يتابعهما بكل حواسه في القصر مع كبار خدام الدولة من عسكريين ووزراء ومستشارين مقربين، حتى يتذوقوا طعم النكت التي تمس في الصميم جوهر العمل السياسي في مملكته.. لكن حين تطيب له نفسه أن يضحك من الاختلالات التي يعرفها المجتمع المغربي، ومعرفة جوهر المشاكل التي تعاني منها الطبقات الفقيرة، فإنه يستمتع بـ « سكيتشات » الفنانين عبد الجبار لوزير ومحمد بلقاس، وأيضا هزليات فرقة بوشعيب البيضاوي المكونة من القدميري، بوجمعة أوجود (باعزيزي)، وآخرون، والتي كانت تعالج مواضيع تتعلق مثلا بتعدد الزوجات، مشاكل الطلاق، الإرث، لكريدي، المرضي والمسخوط… وكان الحسن الثاني أيضا يستمتع أيضا بمسرحيات عبد الرحيم التونسي (عبد الرؤوف).
الحسن الثاني هنا، لم يكن يحب أن يظل في موقع المتفرج الضاحك فقط، بل كان في بعض الأحيان أيضا يشارك في صناعة النكتة، سياسية كانت أو اجتماعية، فمثلا يقول مصدرنا، كان يتدخل أحيانا في توجيه الثنائي بزيز وباز لمعالجة موضوع سياسي معين في قالب ساخر، أو تأليف نص مسرحي خاص بوزارة أو معارضة أو السلطة المحلية بالنسبة لفرق كوميدية أخرى، فذات مرة – يقول الفنان بوجمعة أوجود – والذي يعود الفضل في تسميته بـ « باعزيزي » إلى الحسن الثاني – أن الملك الراحل طلب منه عند تواجده بقصر إفران أن يبلغ صديقه القدميري بـ « أداء سكيتش مسرحي موضوعه يتعلق بـ « القيَّاد » وهم يسيؤون التحدث باللغة العربية ».. بل أحيانا قد يشارك الملك في صناعة السكيتش الهزلي.. فقد سبق للفنان عبد الرحيم التونسي، أن أدى من خلال شخصيته الكوميدية « عبد الرؤوف » مسرحية بالقصر الملكي أمام الحسن الثاني والشخصيات المرافقة له، وخلال أطوار العمل المسرحي الذي كان عبد الرؤوف يتحدث فيه عن معاناته مع الزوجات، لاحظ الحسن الثاني بأن هناك تناقضا ما في السكيتش، ليتدخل مازحا من وسط « الجمهور » بالقصر وهو يصيح « والكذاب »، الأمر الذي دفع الحاضرين من ضيوف الملك إلى إطلاق ضحكة جماعية دوت بأرجاء القصر.
الحسن الثاني والبندير
« النكَّاتون » في البلاط
بخلاف الفنانين المعروفين لدى السواد الأعظم من المغاربة، كان الملك الحسن الثاني يحيط شخصه برجال بارعين في صناعة النكتة، وقادرون على إضحاك الملك حتى وإن كان في قمة غضبه، ضمنهم مؤنسه الراحل « محمد بينبين » الذي وصفه أكثر من مصدر بأعجوبة الزمان لقدرته الهائلة في الحفظ وأيضا لثقافته الواسعة، وأيضا ومولاي أحمد العلوي الذي كان يطيب للملك في أحيانا كثيرة أن ينصت لنكته وسماع مواقفه مع السياسيين الباعثة على السخرية، إضافة إلى آخرين معروفين كان الملك يعتبرهم مؤنسين، وظيفتهم أن يسلوا الجالس على العرش.
وفي كتابها « حدائق الملك » حكت الراحلة فاطمة أوفقير، زوجة الجنرال القوي في العقد الأول من حكم الراحل الحسن الثاني، محمد أوفقير، كيف كانت بحكم قربها من الملك، وامتلاكها كلمة السر التي تجعلها تتوغل في القصر، أنها لم تكن تخفي عن الملك أي شيء، وكانت تنقل له ما يقوله عامة الناس عنه بما في ذلك النكت السياسية التي تتناول شخص الحسن الثاني مباشرة.. فذات مرة لم تجد أرملة أوفقير أدنى حرج في أن تروي للملك نكتة سياسية تتعلق بكيفية تدبيره للحكم، وكذا علاقته بالحكومة والشعب، وهي نكتة بليغة وجريئة جدا، فما كان من الحسن الثاني – حسب فاطمة أوفقير – إلا أن أعجب بفكاهة النكتة رغم أنه شعر بأنها تمسه، وكان ذلك بحضور أربعة من أفراد عائلته الذين عابوا عليها أن تروي له مثل هذه النكات، واصفين إياها بالمجنونة التي تروي للملك حكايات الشارع، لتجيبهم فاطمة: »لطالما أخبرته بالحقيقة عندما كان وليا للعهد، فهل علي أن أخفيها عنه الآن وقد أصبح ملكا ».
ويحكي البعض أن الحسن الثاني كان يستمع إلى جل النكت السياسية التي يتداولها الناس من خلال « الروافد » التي تنقلها إليه، ذلك أنه كان لا يجد حرجا في الإنصات لتلك التي تتناوله شخصيا، أو التي تحكى عنه إلى جانب كبير الصحراويين خاطري ولد سعيد الجماني، أو أوفقير والبصري، بل حتى تلك المروية عن بعض السياسيين كأرسلان الجديدي.

الزعيم السياسي يرى وجهه في « مرآة » النكتة السياسية
النكتة السياسية « تيرمومتر » الحاكم لقياس شعبيته عند الناس، ومعرفة شغلهم الشاغل الذي أدى بهم إلى تناوله من خلال « التنكيت »، فالنكتة بقدر ما هي مرآة يرى فيها الحاكم نفسه، بقدر ما هي – كما وصف الكاتب المصري الساخر إبراهيم المازني (توفي سنة 1948)- سلاح تدل على الأخذ بالثأر وتجعل الإنسان ينتصر وهو واقف في مكانه، وهكذا تعد النكتة وسيلة تفريغ نفسي، وهي بأنواعها المتطورة عبارة عن جواز سفر لا يقف عند حد، ولا يعترف بالإشارات الحمراء، وهي في المحصلة إبداع جماعي.. إنها سلاح قد ينزل شعبية الحاكم إلى الحضيض وقد يرفعها أيضا إلى أعلى، باعتبارها ذات سلطة قوية على التأثير في القاعدة وارتباطها بالزعيم..
يرى بعض السوسيولوجيين أنه عندما يتعذر على وسائل الإعلام انتقاد سياسة الدولة، تلعب النكتة السياسية هذا الدور بامتياز، حيث توجه عدة رسائل مشفرة في قالب فكاهي ساخر إلى من يهمهم الأمر، لتقوم بوظيفتين أساسيتين، الأولى التنبيه إلى مَوَاطن الخلل في سياسة الدولة وبنية النظام، والثانية التخفيف من حدة الاحتقان الشعبي الناتج عن خلل في سياسة الدولة.. إنها وظيفة خلاقة، سهلة عند صناع النكتة، لكنها صعبة للغاية عند السياسي الذي تتناوله بشكل مباشر، بالنظر إلى عدم القدرة على ضبط هذه النكتة السياسية أو حتى تحريفها والتخفيف من حدتها، خاصة بعد استفادتها من وسائل الاتصال الحديثة كالهواتف النقالة والأنترنيت.. لذلك يعتقد كثيرون، أن العديد من الزعماء، بما في ذلك المتربعين على عروش أعرق الديمقراطيات في العالم، يكلفون بعض الموظفين بشكل سري لرصد النكت السياسية في شعوبهم ونقلها إليهم لدراستها وتحليل شفرتها، حتى يطلعوا على ما يوجهه عامة الناس عبر « التنكيت » من نقد لسياستهم، أو الرضى عليها.. ربما اعتمد هؤلاء في هذا الاعتقاد على الجيل السابق من الزعماء الذين كانت النكت السياسية ببلدانهم محط اهتمامهم.
هناك موقف شهير للرئيس الفرنسي الأسبق شارل دوغول، الذي لم يكن ينزعج كثيراً لسياسته الخارجية، أو طريقة عمل حلفائه في الحرب العالمية الثانية وما بعدها، أو حتى سير العمل السياسي في الجمهورية الخامسة، بقدر ما كان ينزعج من كون النكت السياسية والرسوم الكاريكاتورية لم تعد تنتقده أو تعره اهتماما، وهو الذي كان حديث الناس في الصالونات من خلال النكت الحديثة المروجة عنه، أو المحتل دائما لصدر كبريات الصحف الفرنسية عبر الرسومات الساخرة التي تبرزه بأنفه الطويل، ذلك أنه قال ذات مرة: « لقد تدنت شعبيتي في فرنسا، فأنا لا أرى نفسي في الرسوم الكاريكاتورية، ولا أسمع اسمي في النكتة السياسية التي تنتقدني ».
وبعد هزيمة 1967، كانت النكت السياسية تجمع للرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، والتي كانت تنتقد سياسته الخارجية التي أدت إلى ما سمي بـ « النكسة »، حتى اضطر بعدما ارتفع صبيبها أن وجه خطابا للشعب المصري، معتبرا أنه لم يطلب المستحيل، ذلك أنه يستحيل حسب تعبيره أن يتوقف المصريون عن التنكيت، لكنه ناشدهم أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يرشدوا النكتة بما لا يؤدي الشعور الوطني، حتى قيل بأنه كلف جناحا في جهاز المخابرات أن يهتم بالنكت السياسية التي يتداولها المصريون فيما بينهم..
نفس الشيء بالنسبة للزعماء العرب الآخرين، أمثال أنور السادات ونكته مع « الإخوان المسلمين » والقذافي وبنعلي وآخرون.. حتى أن الثورات العربية الأخيرة أفرزت عدة نكت سياسية من عمق الأزمة السياسية بكل من مصر، سوريا، ليبيا، تونس والمغرب، وكلها تناولت الإسلام السياسي وعلاقته بالحكم: فما هي أبرز النكت السياسية التي تداولها المغاربة خلال أزيد من نصف قرن؟

09 Nov 1994, Biarritz, France --- FRANCO-AFRICAN SUMMIT OF BIARRITZ --- Image by © Patrick Robert/Sygma/CORBIS

09 Nov 1994, Biarritz, France — FRANCO-AFRICAN SUMMIT OF BIARRITZ — Image by © Patrick Robert/Sygma/CORBIS


نكت عهد الحسن الثاني
– في ستينيات القرن الماضي اكتشف علماء الأركيولوجيا مومياء في المغرب، فاستدعى الحسن الثاني بزافديال الخبراء من الدول الصديقة باش يعرفوا الحقبة الزمنية للي عاشت فيها واسم صاحبها.. لكن من بعد عام ديال الأيام، رجعوا الخبراء عند الحسن الثاني كايتأسفوا ليه بأنهم معرفوش الهوية ديالها، فضحك الملك وقال « عطيوها لأوفقير وغاتعتارف ليه بالزربة.. غاتكَربأصلها وفصلها ».
– ذات يوم من سنة 1980 سأل صحافي فرنسي الاتحادييْن البارزين في صفوف المعارضة محمد اليازغي وفتح الله ولعلو عن السبب المباشر في ضعف الاقتصاد المغربي، فرد الرجلان بتلقائية ودون تفكير: أكيد هو إدريس البصري، فبادرهما الصحفي مستفسرا: لكن إذا كان الأمر هنا يتعلق بوزير الداخلية في بلدكم، فما هو السبب غير المباشر في ضعف الاقتصاد المغربي، فأجاب اليازغي وولعلو بتلقائية أيضا: أكيد هو البصري إدريس.
– تزامنت محاكمة الحسن الثاني لبعض الوزراء مع بروز نكتة جديدة آنذاك: وتقول إن زوجة رئيس الوزراء (الوزير الأول) اتصلت بزوجها وهي خائفة بمقر الوزارة، فقالت له، « يمكن عندنا شيشفارة في الدار »، فأجابها: « لعجب هذا.. راه كاع الوزراء خرجوا قبيلامن عندي ».
– واحد الرجل كان راسو كبير بزاف، وفينما كيدوز من واحد الزنقة كايقول ليه واحد الطفل صغير « ناري كون كنتي ملك »، ثم يفر هاربا، واستمر الحال لأزيد من سنة دون أن يعرف الرجل صاحب الرأس الكبير سبب هذا السؤال الطفولي، لكن ذات مرة تمكن من القبض على الطفل الذي بدا خائفا، فقال له: « شوف آولدي.. ما غادي نضربك ما والو، غادي تقول ليا علاش فينما كاندوز من هاذ الزنقة كاتقول ليا « ناري كون كنتي ملك » فأجاب الطفل: « مع راسك كبير كانتخيل كون كنتي ملك كون الدرهم غاتكون قد الصينية ».

الحسن الثاني يشهد على صناعة نكتة بليغة في حضرته
عندما توجه الملك الراحل الحسن الثاني إلى الجزائر سنة 1963، وخلال اجتماعه بالرئيس أحمد بنبلة، تدخل وزير الشؤون الإفريقية آنذاك الدكتور الخطيب الذي كانت تجمعه علاقات قوية بالنخبة الجزائرية، فقال للرئيس بحضور الحسن الثاني: « ألا تفكرون فخامة الرئيس في إدخال تعديل على حكومتكم أعتبره منطقيا، إذ به تضعون الرجل الصالح في المكان الصالح، فتسندون وزارة تربية المواشي إلى الوزير بومعزة، ووزارة التموين إلى الوزير بوخبزة، وتضعون الوزير بومنجل في وزارة الفلاحة والوزير بوتفليقة على رأس الشرطة »، وكان جل هؤلاء الوزراء يديرون قطاعات وزارية أخرى آنذاك. وعند انتهاء الخطيب من نكتته البليغة، توزعت مشاعر الرئيس الجزائري بين الغضب من حدتها والابتسامة من بلاغتها، ليحمر وجهه أمام الوفد المغربي، أما الملك الحسن الثاني فقد ظل صامتا.
الحسن الثاني
الجماني في قلب النكت السياسية
– أخضع الحسن الثاني ذات يوم الجماني وأرسلان الجديدي لامتحان يهدف من خلاله إلى معرفة المستوى الثقافي للرجلين، وبعد انتهاء الزمن الطبيعي للامتحان، وتصحيح الملك لورقتي الاختبار، فوجئ بأنهما متشابهتان من حيث الإجابة، ليدرك في نهاية المطاف أن الجماني نقل عن أرسلان حتى اسمه الشخصي.
– يحكى أن الجماني اشتغل سائقا عند عائلة بورجوازية، فكلفه رب العائلة بأن ينقل أبناءه إلى المدرسة.. وبالفعل أقل الجماني أبناءه، لكن بعد حوالي ساعة اتصلت المديرة بالرجل البورجوازي تسأله عن السبب وراء عدم قدوم أبنائه اليوم إلى المدرسة ليتملكه الخوف خشية أن يصيب الأطفال مكروه ما، وبسرعة ترك السماعة وتوجه عند الجماني سائلا إياه: « فين هوما الدراري؟ فأجاب الجماني « ديتهم للسكويلة نعام سيدي »، فاحتار الرجل وطلب منه أن يقله إلى حيث ترك أبناءه، وما هي إلا لحظات حتى صاح الجماني: « ها هوما باقين في بلاصتهم نعام سيدي عند السكويلا »، آنذاك انفجر الأب ضاحكا، لأن الجماني استوقف الأطفال بالقرب من العلامة التجارية » بيبسي كولا »، حيث قرأها « باب سكويلا ».
– بعد أن أرسله إلى الديار الفرنسية للاستجمام، وقضائه عدة أيام هناك سأله الحسن الثاني عن رأيه في فرنسا والفرنسيين، فأجاب الجماني وعلامات الدهشة بادية على محياه، « للي حيرني في فرنسا هو أن الولد الصغير تما كايتكلم بالفرنسية وعمرو عامين صافي.. وااا لعجب هذا ».
ملحوظة: هناك عشرات النكت المنسوجة حول خاطري ولد سعيد الجماني، وهي لا تعكس شخصيته الحقيقية، ذلك أن الرجل كان حسب الذين احتكوا به وعايشوه عن قرب إنسانا وطنيا وحكيما، وأحد خيرة أبناء الصحراء المغربية، لكن بحكم قربه من الحسن الثاني ونظراً لطبيعة العلاقة القوية التي جمعت بينهما حاول صناع النكتة توجيه رسائل مشفرة إلى الملك آنذاك من خلال التنكيت على الجماني، لكن هذا الأخير كان يقبلها بصدر رحب، ولا يجد حرجا في الاستماع إليها، نفس الأمر بالنسبة للزعيم النقابي أرسلان الجديدي، الذي كشف لصديقه عبد الله القادري بأنه بريء من النكت المروية عنه، نافيا أن يكون قد قال ذات يوم « صيفطني صاحب الجلالة »، أو تحويل دكالة كلها إلى بقر، معتبرا أن هناك جهات في الدولة هي التي كانت وراء صناعة مثل هذه النكت.