أخبار الهدهد

الحسن الثاني والإعدامات التي حدثت يوم عيد الأضحى واعتبرت الأسرع في تاريخ المغرب

jeu 17 Sep 2015 à 14:38

جميلة سلمات
غير بعيد عن التفاصيل الدقيقة للعملية الانقلابية الفاشلة، التي تحول فيها قصر الصخيرات في 10 يوليوز 1971 إلى مجزرة حقيقية ومأساة محفورة في الذاكرة الجماعية للمغاربة.. وفي منأى عن الصور الدراماتيكية التي حولت فيها البنادق الطائشة فناء القصر وحجراته واخضرار عشبه إلى برك من الدم المسفوك هدراً.. وبعيدا أيضا عن سيناريو الانقلابيين الذين حجوا من هرمومو إلى الصخيرات، وكيف خطط الجنرال المذبوح، الكولونيل اعبابو وأوفقير لخيانة الحسن الثاني.. بعيدا عن كل ذلك، ثمة حدث وثيق بالعملية الانقلابية الأولى (1971) لم تسلط عليه الأضواء بما يكفي، ولم ترد تفاصيله الدقيقة على ألسنة من عايشوه في إبانه، لتظل وقائعه مبهمة بعض الشيء، وإن مرت متفرقة في أحاديث من حضروا مشهده الدرامي.. الأمر هنا يتعلق بعشرة ضباط سامين شاركوا في العملية الانقلابية، ليجدوا أنفسهم بعد يومين من وقوعها أمام قدر محتوم وهو انتظار أن تتلقى أجسادهم وابلا من الرصاص، في عملية إعدام هي الأسرع من نوعها في تاريخ المغرب.
كانوا أربعة جنرالات، خمسة كولونيلات وكوموندو واحد، أعدموا بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني الذي راقب العملية عن كثب، ذلك أن المشهد، وإن مر مباشرة أمام أعين المغاربة في 13 يوليوز 1971 – بعد أن تم نقله على التلفزة، إلا أنه يكتنز العديد من المعطيات التي تجعل منه اليوم مشهدا حيا للأجيال التي لم تعش المرحلة، ما دام أن هناك من قرر البوح، راسما سيناريو الإعدام كما عاش أحداثه لحظة بلحظة، على اعتبار أنه كان أحد عناصر فرقة الرماة التي أفرغت محتوى بنادقها في صدر الضباط السامين المتهمين بالخيانة العظمى، (أنظر حوار الكولونيل السابق عبد الله القادري ضمن الغلاف).
+++++++++++++++++++++
سيناريو ما قبل إعدام 10 من كبار الضباط السامين بعد يومين من محاولة الانقلاب
لا يخمد صوت رصاص طائش إلا صوت رصاص منظم
في ذلك اليوم الصيفي القائظ، المؤرخ في 13 يوليوز 1971، عرف المكان الذي تستخدمه القوات المسلحة الملكية للتدريب على الرماية بالقرب من شاطئ الهرهورة (غير بعيد عن مدينة تمارة والمسمى بالتير) حركة غير عادية، إنزال أمني مكثف، ووحدات من مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية تحج إليه تباعا، كان الجيش، الدرك الملكي، الأمن الوطني والقوات المساعدة حاضرون بثقلهم في مسرح خصص لإعدام الانقلابيين، أو بالأحرى أشباه الانقلابيين الذين نادوا بحياة الملك ودوام الملكية ثوان قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة تحت وابل من الرصاص.
في ذلك اليوم الحار، كان الملك الراحل الحسن الثاني بالكاد قد استرجع أنفاسه.. وقف بجلبابه على ربوة رملية قبالة المحيط الأطلسي.. كان آنذاك ما يزال تحت تأثير الصدمة وهو يرقب عشرة ضباط سامين قد شدوا إلى أعمدة خشبية مغروسة في الرمال، في انتظار أن تفرغ بنادق الرماة محتواها من الرصاص في أجسادهم.
بالنسبة للحسن الثاني، لا يخمد صوت لعلعة الرصاص الطائش الذي تحتفظ به أدناه، وهو يرى كيف سقط على إثره عشرات الضحايا في عز احتفاله بعيد شبابه في قصر الصخيرات (لا يخمد هذا الصوت) إلا صوت رصاص منظم آثر الملك أن يسمعه المغاربة جميعا من خلال التلفزة.. وهكذا تقرر بسرعة أن يُعدم بذات الرصاص 10 من كبار العساكر، قيل بأنهم من خيرة ضباطه السامين، بعد أن حامت حولهم شكوك بتورطهم في محاولة تصفية الملك يوم السبت 10 يوليوز 1971.
وحتى نعيد ترتيب الحكاية، نبدأ من لحظة استعادة الملك الراحل الحسن الثاني السيطرة على الوضع بقصر الصخيرات، بعد أن عات فيه الجنرال المذبوح والكولونيل اعبابو وأتباعهما فسادا، لقد كان الملك قاب قوسين أو أدنى من موت محقق، لكن في لحظة وجد نفسه في موقع قوة وإن بدون سلاح، بعد أن أذعن جنود صغار لأوامره.. كان الكولونيل اعبابو الذي هندس للعملية الانقلابية رفقة المذبوح وأوفقير (الذي لم تكشف خيانته بعد)، قد توجه لاحتلال مقر الإذاعة والتلفزة، بينما كبار الجنرالات والضباط السامين الذين اجتمعوا معه بمقر القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية (إطامجاور)، فقد تفرقوا كل إلى وجهته من أجل التحكم في الشرايين المغذية لأجهزة الدولة.. لكن استعادة الملك الحسن الثاني لنفوذه في آخر لحظة، ومنحه كافة الصلاحيات للجنرال أوفقير من أجل ضبط النظام ووضع حد لتمرد الانقلابيين، منحه هامشا من الوقت لترتيب أوراقه واختبار سريرة الصالح والطالح من رجالاته.. وهكذا انطلقت رحلة البحث عن قادة الانقلاب والآلات المنفذة له.
بالنسبة للكولونيل السابق عبد الله القادري، إن موت الجنرال المذبوح العقل المدبر للعملية الانقلابية ومصرع الكولونيل اعبابو الذي يعتبر المنفذ الرئيسي لها، قد غيَّب حقائق كثيرة وأسرار جمة عن الخلفيات الحقيقية للمحاولة الانقلابية، غير أن جزء من أسرارها ظل آنذاك في حوزة الجنرال أوفقير، وبعض الضباط الذين اكتشفوا تورطه في آخر لحظة، من هذا المنطلق، سارع أوفقير إلى اعتقال العديد من الجنرالات والكولونيلات والضباط حتى لا يفتضح أمره من جهة، وأن يزيح من يمكن عرقلة مشروعه الانقلابي القادم من جهة ثانية، وقد دامت عملية اعتقال الضباط ساعات فقط، لعلمه المسبق بوجهة هؤلاء.
وحسب القادري، الذي كان على علم مسبق بمخطط اعبابو والمذبوح، قبل أن ينسل من بينهم مثل شعرة من العجين، اقتاد الجنرال أوفقير العديد من الضباط المعتقلين إلى مكتبه بثكنة « المصفحات » بالرباط التي كان الجنرال الغرباوي قائدا لوحدتها، ومن تم انطلق سيل التحقيقات والاستنطاقات، ليستقر الأمر في نهاية المطاف على 10 ضباط سامين، قرر أوفقير أن يضع حدا لهم ودفن سره معهم، وهم الجنرالات حمو أمحزون، مصطفى أمهارش، محمد حبيبي وبوكرين الخياري والكولونيل الشلواطي (الذي كان أقرب المقربين إلى أوفقير، وأحد الذين ترأسوا سير العملية الانقلابية حسب القادري)، الكولونيل الفنيري، الكولونيل بوبري، الكولونيل بنبراهيم عمي، الكولونيل بلبصير والكوموندو إبراهيم المانوزي. ذلك أنه بعد اعتقالهم واستنطاقهم تقرر مصيرهم خلال ليلة المحاولة الانقلابية، حيث أقنع أوفقير الملك الراحل بضرورة إعدامهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم، فتقرر تصفيتهم صباح يوم الثلاثاء 13 يوليوز 1971..
لكن كيف جرى سيناريو الإعدام؟
تفاصيل عملية إعدام حضرها الملك الحسن الثاني والعاهل الأردني الملك حسين
كان صباحا استثنائيا مشبعا برطوبة البحر التي أضفت على المكان الشاطئي طابعا غرائبيا، أربع دوائر أمنية تطوقه للحماية، وشاحنات عسكرية مصطفة تشكل طابورا، كانت مغطاة حتى لا يعرف من بداخلها.. على مقربة منها ثم غرس عشرة أعمدة خشبية في رمال تمتد إلى المحيط الأطلسي، بينما الملك الراحل الحسن الثاني يقف كشاهد على سير الترتيبات على تلة رملية رفقة العاهل الأردني الملك حسين.
هنا ساحة الإعدام التي تقرر أن تموت فيها نزعة الانقلاب على الملكية في المغرب.. وهنا أيضا كان الحسن الثاني بجلبابه المغربي يسترجع سريعا شريط مأساة الصخيرات، لقد كان مستعجلا في تنفيذ حكم الإعدام في حق الانقلابيين، غير أن تأخر طاقم الإذاعة والتلفزة الموكول له نقل الحدث للمغاربة في القدوم إلى مسرح العملية، عطل الأمر لدقائق.
ساحة الرماية، أو بالأحرى ساحة الإعدام تعج بالعديد من الضباط على اختلاف رتبهم العسكرية، يتقدمهم الجنرالان إدريس بن عمر ومحمد أوفقير؛ الشاحنات العسكرية المصطفة ما تزال في مكانها، وفرقة الرماة الموكول لها تنفيذ عملية الإعدام تقف قبالتها في أقصى تأهبها، مرت دقائق قليلة، كانت الساعة وقتذاك تشارف على الحادية عشرة صباحا، توجه بعض الجنود ورفعوا الأغطية على الشاحنات ليظهر الضباط العشرة بداخلها مكبلي الأيدي، كانت هاماتهم منكسرة، وجوههم شاحبة كما لو أنها تعتلي أجسادا بلا روح، بينما أعينهم بدت شاخصة نحو كل شيء وللاشيء.. كل واحد من هؤلاء يحاول أن يفهم ما يجري، وحده الكولونيل الشلواطي الذي كان غير مكترث بما يدور حوله، باعتباره حسب ما ذكرته العديد من المصادر، كان عنصراً أساسيا ضمن قادة الانقلاب، وقد شغل خلال العملية منصب « رئيس مجلس الثورة ».
إلى جانب القادري هناك الإعلامي محمد بن ددوش، وهو واحد ممن شهدوا عملية الإعدام عن قرب، وقد تحدث في كتابه « رحلة حياتي مع المكروفون »، عن بعض تفاصيلها بحكم أنه كان وراء إعداد الروبورتاج الذي أذيع في التلفزة حول العملية، وحسب هذا الأخير، فإن الضباط العشرة سيقوا إلى ساحة الإعدام، وقد ربطت أيديهم من الخلف بالأعمدة المنصوبة ببزاتهم العسكرية وعليها شارات رتبهم، وهي الشارات التي ستنزع منهم الواحد بعد الآخر، وحسب القادري إن من تولى عملية نزع الشارات هو الجنرال إدريس بن عمر.
الحسن الثاني
دقت ساعة الحسم، ووقت الصباح يشارف على الانتهاء، إذ مع حلول الساعة الحادية عشرة والربع دخل الجنرال أوفقير والجنرال إدريس بن عمر في جدال اتضح من خلاله أنهما المشرفان على سير عملية الإعدام، وحسب بن ددوش، كان الجنرالان يتذاكران على انفراد، وإذا بالجو يتوتر بينهما، حيث سمع الجنرال إدريس بن عمر يقول لأوفقير بالفرنسية ما يعنى أنه « يجب أن تكون تصرفاتنا معهم وفق القواعد المتعارف عليها »، ليرد الجنرال أوفقير منفعلا وبصوت عال « هل كانت تصرفاتهم معنا كما يجب »؟، وقبل أن ينهي كلامه ابتعد عن الجنرال إدريس بن عمر وتوجه صوب فرقة الرماة (فريق التنفيذ العسكري)، ثم صاح فيهم (بالفرنسية) حسب بنددوش « انتبهوا انتبهوا … نار… نار »، ومن ثم أخذت البنادق دفعة واحدة في إطلاق الرصاص، فكانت أجساد الضباط تتهاوى تباعا بعد أن تحولت صدورها إلى شلالات فائرة بالدماء.
وعن هذا المشهد الدراماتيكي قال بن ددوش في إحدى اعترافاته « هكذا جرت العملية في جو مضطرب رهيب، وأثارت نوعا من الخوف لدينا لقربنا من الموقع، بالنظر إلى الطابع الفجائي الذي ميز صدور الأمر بإطلاق النار، وبالنظر أيضا إلى قوة الرماية وصوت الرصاص المرعب ومنظر الدماء تتطاير من الأجساد ».
قبل ذلك، كان الضباط حسب الكولونيل السابق عبد الله القادري ينادون باسم الملك، « الجنرال حمو الله يرحمو قال قبل إعدامه « يحيا الملك.. اللهم إن هذا منكر راحنا ملكيين »، والجنرال بوكرين قال بدوره « أنا ملكي وقد عينت لأذهب إلى باريس ملحقا عسكريا، وقبلت الأمر بكل تواضع رغم أن لي مسؤولية كبيرة في الجيش »، بينما بدا الكوموندو إبراهيم المانوزي غاضبا وهو يتوعد بالقصاص في الدار الآخرة..
كانت رائحة الموت تخيم على المشهد برمته، والسكون الذي امتص لعلعة الرصاص أصبح سيد المكان، فجأة – يقول بن ددوش – ظهر « مجموعة من الجنود قيل بأنهم يمثلون الوحدات البرية والجوية والبحرية التابعة للقوات المسلحة الملكية … أسرعوا نحو الضباط الذين نفذ فيهم حكم الإعدام وصاروا يبصقون على جثثهم، كعلامة احتقار نحوهم كما قيل لنا ».. بعدها تم دفن الضباط في حفر كانت موجودة مسبقا خلف أعمدة الإعدام.