أخبار الهدهد

ثقافة إحياء الأحياء

lun 21 Sep 2015 à 17:34

معمر حبار
زوجة هارون الرشيد، حين رأت حاجة الحجاج للماء، شقت القناة من الطائف إلى مكة، رغم انعدام الوسيلة يومها، والمسافة البعيدة بمفهوم ذلك العصر، والمقدرة بحوالي 120 كلم.
وسمعت خلال هذا الأسبوع، أن أبيار علي أطلقت على شخص اسمه علي، ليس سيّدنا علي رضي الله عنه، لأنه هو الذي قام بحفر البئر.
وكتب التاريخ تزخر بمثل هذه الأمثلة، وتشهد لأصحابها أنهم رووا العطشى، وسقوا البساتين، وأحيوا الموات.
وأنظر من حولي فأرى المياه عبر البيوت والمصانع والمساجد والجامعات والمركبات الرياضية، لكن في المقابل غياب المياه خارج المساحة المحددة لهاته الأماكن، وبالتالي ما يتبع المياه من أشجار وحشائش وطيور.
كان باستطاعة هذه المؤسسات وغيرها، أن تضع حنفيات خارج محيطها، حيث يستفيد منها الراكب والماشي والمقيم والمسافر حين يكون بحاجة إليها، فيتم خدمة النّاس وراحتهم وإنعاشهم. ونفس الخدمة تقدم للأشجار والورود والطير.
قد يقول قائل، إن بعض الأشخاص يضع كل واحد منهم أمام دكانه دلوا مليئا بالماء، ويستفيد منه المارة في إرواء عطشهم وقضاء حاجاتهم. هذه ميزة حسنة يشكر أصحابها، لكن تبقى غير كافية ومحدودة.
أمارس رياضة الركض هذه الأيام بملعب بومزراق بالشلف، الذي يضم بجانبه مسبح شبه أولمبي، سبق للفريق الوطني للسباحة أن أقام تربصا به لأيام، ويحتوي على مياه ضخمة ، لكن لا يوجد بداخله ولا خارجه حنفيات يستغلها الزائر للملعب ولا المتفرجين، ويظل الجمهور يعاني العطش تحت حرارة شديدة وطيلة النهار، وكان يكفي عددا من حنفيات المياه توضع تحت تصرف الجميع للتخفيف من المعاناة، وجعل الملعب والرياضة تتحول إلى حديقة يتنعم عبرها الجميع.
منذ يومين، أرى منظفة تعمل بمؤسسة CASNOS، ترهق نفسها في حمل أنبوب ماء، من أقصى المؤسسة إلى الشارع، وقد أساء منظره جمال المكاتب التي مر عبرها، وكان بامكان المؤسسة الخاصة بغير الأجراء، أن يضعوا تحت تصرفات المارة ومستعملي المؤسسة، مجموعة من الحنفيات تفيد الشجر والبشر، وهذا في متناول المؤسسة، بل باستطاعتها أن تفعل أحسن وأكثر.
وأعيش في الجامعة منذ 24 سنة، لا يوجد خارجها حنفيات، ويعاني على إثر انعدامها الطالب والأستاذ والموظف.
ثقافة إحياء الشجر والبشر، تحتاج فيما تحتاج إلى قطرة ماء توضع أمام المارة ومستعملها، فيروي ظمأه، ويمسح ثيابا تلطخت، ويغسل فاكهة يريد أكلها، وينعش نفسا تريد الراحة والمزيد من الطاقة، وتجعل الوجه أكثر بهاء وانفراجا، فيفرح صاحبه ويدخل السرور على الناظر، فتسود الفرحة والابتسامة المجتمع كله.