أخبار الهدهد

السياسة كفن لصراع الرموز وحرب الإشارات: الحسن الثاني وزعماء المعارضة وخطاب الحر بالغمزة

sam 7 Jan 2017 à 19:52

عبد العزيز كوكاس

ليست السياسة فقط منطقة صراع نفوذ القوة أو التنظيم القانوني لثنائية الواجب والحق في ظل نظام اجتماعي يسمح للناس بالعيش المشترك في ظل رقعة جغرافية محددة، بل هي بالدرجة الأولى صراع للرموز وتنازع بالإشارات لامتلاك المجال الحيوي للسلطة والحفاظ على مواقع النفوذ فيها..

وكلما كان المجتمع أكثر تخلفاً واللعبة السياسية أكثر انغلاقا، كلما امتلك الفاعلون  السياسيون حاسة الشم من بعيد والقدرة على ترميز الخطاب السياسي والاعتماد على الإشارات، لا يعنيني في هذا المقام، التوريات التي كان يتنابز بها السياسيون مثل ما حدث بين مولاي أحمد العلوي الذي لم يكن يرى جيداً ورئيس أول حكومة مغربية أحمد البكاي الذي كان أعرج، حيث أراد العلوي ممازحته وهو يتابع شكل مشيته: « كيف تسير الحكومة سيدي الرئيس »، فأجابهُ البكاي بنفس الترميز: « كما ترى سيدي أحمد، » أو ما حدث للمهدي بن بركة حين كان في أحد الاجتماعات بمقر حزبي، حيث سقطت صورة الملك، فقال: « pas encore » (لم يحن الوقت بعد)، ولا ما حدث حين قدم الحسن الثاني عبد الرحمان لولي العهد والأمير رشيد، حيث قال لهم: « هذا هو الرجل الذي كان يخبئ الأسلحة تحت سريره في المستشفى »، فالتقط اليوسفي الإشارة ليرد: « ذلك زمن قد ولى »… بل أتحدث هنا عن السياسة كتكثيف للرموز وصراع بالإشارة، السياسة كفن للبعث الرسائل وتلقيها، وتلك كانت خاصية متبادلة بين الحسن الثاني وزعماء الحركة الوطنية.

كان الملك الراحل يريد أن يحيط كلامهُ بقدسية كبرى، لم يكتف بتجريم مناقشة خطابه، بل سعى إلى إحاطة كلامه بالكثير من الغموض، حتى أصبحت خطبه مشفرة مليئة بالدلالات المفتوحة وحرب الرموز والإشارات الملتبسة، وإن كان الكثير من كلامه الموجه إلى معارضيه مليئا بـ « الطَّنْز »، لذلك كان زعماء الأحزاب السياسية يجتمعون بعد كل خطاب لفك شفرات خطاب الملك وكشف الإشارات التي يحملها… في ذات الوقت كان الزعماء الكبار للحركة الوطنية يستغلون المناسبات الحزبية لبعث إشارات ملغزة إلى الملك الراحل، حتى أضحت السياسة في المغرب بمثابة حرب الرموز والإشارات.

في بداية الستينيات قبل أن يفتتح المهدي بن بركة إحدى تجمعاته الخطابية أتى بقدر مفحم (كدرة) وأمسك بها بطريقة مسرحية ثم كسرها وهو يقول: « سنقضي على أتباع الاستعمار والفاسدين كما تكسر هذه الجرة » وحطم الكدرة أمام التصفيقات الحاشدة للجماهير التي لم يكن ممكنا أن تفهم أبعاد حركة بن بركة، الذي يشير إلى شعر المجذوب الذي يقول: « من جاور كدرة تطلى بحمومها » والحكمة العربية: « ما كل مرة تسلم الجرة »، ولم تكن الكدرة سوى أحمد رضى كديرة والذي يجاورها هو الحسن الثاني.

في ملعب « بيكس » بالرباط في صيف 1981، عقد حزب القوات الشعبية تجمعا خطابيا للدعوة إلى إضراب عام رداً على قبول الملك الراحل بمبدأ الاستفتاء في مؤتمر القمة الإفريقية بنيروبي، فوجه عبد الرحيم بوعبيد خطاباً مشفراً إلى الحسن الثاني حين قال: « لا يمكنني أن أستفتي أبنائي هل أنا أبوهم أم لا؟ » الإشارة كانت عميقة، كما لو أن بوعبيد يريد أن يقول للملك الراحل، لقد أخللت بأحد أسس التعاقد الذي بايعناك على أساسه وجعلناك أباً للدفاع عن حوزة الوطن، وبخرقك لهذا الركن أصبحنا في حل من عقدك.

في منتصف الثمانينيات أوصلت أجهزة الاستخبارات ملفا حول وجود اختلالات عميقة بالشركة المغربية للنشر (إيديما) للحسن الثاني الذي كان ينوي إيداع محمد اليازغي السجن وبدأت عملية التحقيق، وجاء عبد الرحيم بوعبيد إلى إحدى اجتماعات اللجنة المركزية وقال: « من يمس أي عضو منا سيتداعى له باقي الجسد »، ففهم الحسن الثاني الإشارة، وكانت عبارته الشهيرة لوزير الداخلية: « coffrez le » أي أقبروا الملف!

أحد سمات الاستبداد هو غموض السياسة وثقل حمولات خطاب الفاعل السياسي ورموزه وإشاراته، إن كل إشارة في التلفزيون كانت تطرح على الفاعلين السياسيين خاصة في المعارضة، ثقل مهمة التفسير وتفكيك شيفرات لقطة، أو تصريح زعيم أو تدخل صحافي موالي للسلطة، أو دلالات إدراج مسرحية أو أغنية… بالمثل كان الحسن الثاني يوصي بالإتيان بأشد التفاصيل دقة في اجتماعات الأحزاب وتصريحات الزعماء… حيث أصبحت السياسة كما لو أنها حرب الإشارات والرموز،