أخبار الهدهد

عيد العرش ، قرار وطني لميلاد الدولة الحديثة الموحدة في المغرب تحت رمزية الملك

dim 30 Juil 2017 à 17:07

قصص كثيرة تروى عن ميلاد فكرة الاحتفاء بعيد الجلوس بالمغرب، مهما تعددت فهي تجمع على أن أول عيد العرش احتفى به المغاربة كان في 18 نونبر 1934، أي بعد سبع سنوات من تولي السلطان محمد الخامس عرش أجداده العلويين، بعد أن وقع الصدر الأعظم للحكومة الشريفية محمد المقري بعد ما تقدمت لجنة وطنية بطلب للحماية الفرنسية، فالقرار يأتي أربع سنوات فقط من إصدار ما سني بالظهير البربري والانتفاضات الكبرى الذي ووجه بها من طرف نخبة حديثة من الشباب الوطني الذي كان يقرأ اللطيف ضد محاولة التفريق بين المغاربة، وكان عيد العرش يعكس تمسك النخبة السياسية الصاعدة برمز وحدة الأمة، الذي هو السلطان، ومع عيد العرش سوف يولد الملك المغربي، وسيولد شكل الدولة الموحدة الذي بدأ يتبلور في ذهن شباب جامعة القرويين والنخبة الحداثية التي درست في مدارس الغرب مثل عبد الكبير الفاسي والمهدي بن بركة ومحمد بلحسنا لوزاني وأحمد بلافريج…
على خلاف كل الملكيات العربية، كان احتفاء عيد الجلوس ليس شأنا ملكيا، بل أضحى العيد الوطني احتفالا لكافة المغاربة، كان عيد العرش عيدا حقيقيا يلبس للمغاربة فيه أزياءهم الجديدة ويخرجون إلى الساحات العامة، وتزهر التجارة وتتزين شوارع المدن بأبهى الحلل، وشكل عرسا للمغاربة، فيوم 18 نونبر كانت تعقد المنصات في الساحات العامة وتأتي الفرق الموسيقية والمسرحية من كل حدب وصوب ويغني المغاربة ويرقصون في عيد العرش، وكان عيد جلوس السلطان أيضا يوما للمقاومة، ففيه كانت تندلع مسيرات الاحتجاج ضد المستعمر، وترتفع الأغاني الوطنية الصادحة بالرغبة في التحرر والاستقلال من ربقة المستعمر، وكم تحولت العديد من المظاهرات السلمية لمغاربة في عيد العرش متقدين بالحماس والروح الوطنية، إلى مواجهات دموية عنيفة..
وكان عيد العرش أيضا مناسبة لتأكيد وحدة الكيان الوطني للدولة المغربية المقسمة بين المستعمر الإسباني في الشمال والجنوب وطنجة الدولية والمحتل الفرنسي في باقي أجزاء التراب الوطني، لقد كانت اللجان التي تعد عيد العرش وتسهر على ترتيب أجوائه من الحركة الوطنية ومن أفراد المقاومة وجيش التحرير، فقد كان الشهيد الزرقطوني هو من يشرف على إعداد حفلات عيد العرش بجهة الدار البيضاء منذ بداية الخمسينيات، وظل التنسيق قائما بين حزب الإصلاح في الشمال وحزب الاستقلال في مناسبة عيد العرش خاصة، لقد التقت الإرادات في هذه المناسبة الوطنية لتأكيد أن المغرب الحديث دولة واحدة في مكونها الجغرافي من الشمال إلى الجنوب، وواحدة في عنصرها البشري لا فرق بين بربري وعربي، وشكل الملك رمزية وحدة الدولة المغربية، لذلك كان احتفاء المغاربة بعيد العرش أقوى من عيد الاستقلال أو غيرها من الأعياد الوطنية لأن في ذكرى عيد العرش وذكرى ثورة الملك والشعب كانت تتجسد كل معاني الوطنية والوحدة والتحرير والتحرر، من هنا أصبح لهذا الاحتفال طقوس باذخة بالمملكة يميزها عن باقي ملكيات العالم.
وقد عمل الملك محمد السادس على تخليص هذه المناسبة الوطنية من الكثير من البروتوكولات وأعطاها بعدا حداثيا أكثر يرسخ البعد المؤسساتي للحكم كما حاول تجسيده في شكل تدبير ملكية مواطنة ترسخ تنمية بشرية تحارب الإقصاء والتهميش ومصالحة المغاربة مع تاريخهم وجغرافيتهم..