أخبار الهدهد

هذه هي الحقائق في محاكمة المتابعين في أحداث الحسيمة،عدالة المطالب والتكييف السياسي

ven 29 Sep 2017 à 13:56

عزيز العلوي
منذ انطلاق حراك الريف على إثر موت محسن فكري يوم 28 أكتوبر 2016، كامن المطالب المرفوعة جد عادلة تتمثل في محاسبة ومعاقبة المسؤولين عن الوفاة.. وقد تم فتح بحث دقيق ومعمق بخصوص كل القضايا المرتبطة بالحادث بما فيها عمليات الصيد غير القانونية في منطقة الحسيمة، وصدرت إجراءات وعقوبات تأديبية وتمت إحالة المتورطين على العدالة.. هذه وقائع مثل الشمس التي لا يمكن إخفاء أشعتها بغربال، وقع موت تراجيدي، طالب السكان بالتحقيق واستجابت الدولة للمطلب بالفعل لا بالتسويف والمماطلة… لكن ما حدث بعد ذلك
بالعودة إلى تتبع خيط الأحداث نجد كيف برز نجم ناصر الزفزافي مستفردا بالحديث باسم المحتجين مع عدة مسؤولين.. وقد تأسست لجنة متابعة ملف محسن فكري في البداية لمواكبة سير التحقيق لكنها تحولت إلى لجنة للحراك الشعبي في مارس 2017، حيث تقدمت بعدة مطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية، يأتي على تلبية مجملها برنامج « الحسيمة منارة المتوسط » الذي أعطيت انطلاقته من طرف الملك سنة 2015.
هنا بدأت تبرز العديد من الانحرافات في حراك الريف مثل حمل رايات « جمهورية الريف الوهمية » وتغييب العلم الوطني بشكل ممنهج، مع ترديد شعارات سياسية تهاجم الدولة ورموزها، إضافة إلى توجيه الشتائم لعموم الشعب المغربي من طرف ناصر الزفزافي.
بالإضافة إلى إلى التوسيع الممنهج للمطالب فيما يبدو محاولة تعجيزية للدولة للاستمرار في الخروج إلى الشارع، وهو ما دفع الدولة إلى فتح حوار مع تمثيليات المجتمع المدني والهيئات السياسية والنقابية والمنتخبين لتوضيح المطالب وحصرها من أجل تشخيص حاجيات السكان والإنصات لمختلف مطالبهم الاقتصادية والاجتماعية المعبر عنها سواء خلال الأشكال الاحتجاجية أو في اللقاءات التواصلية مع أعضاء الحكومة أو مع السلطات الإقليمية والمحلية.

إذا كانت المطالب التي تم رفعها من طرف سكان الحسيمة عادلة ومشروعة، فإن الوسائل التي تم اللجوء إليها من طرف متزعمي الحراك، لم تكن بنفس نبل الغايات، إذ بدا كما لو أن هناك محاولة لتوظيف المطالب المشروعة لغايات ذاتية ليس بحثا عن الحلول بل سعيا للضغط بالشارع خارج الحوار الذي دعت إليه الدولة، كما تجلى ذلك في زيارة الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية، الشرقي الضريس، يوم6 فبراير 2017. وزيارة وزير الداخلية، محمد حصاد، بتاريخ 28 مارس 2017، حيث تم الإعلان عن إلحاق محمد الزهر عامل الإقليم بالمصالح المركزية لوزارة الداخلية وتكليف الوالي المفتش العام للوزارة السيد محمد فوزي بالإشراف على تسيير شؤون عمالة الإقليم. ثم الزيارة التي قام بها وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، يوم 10 أبريل 2017 لمدينة الحسيمة في أول نشاط ميداني له عقب تعيين الحكومة الجديدة، حيث تم إعطاء انطلاقة الأشغال لعدد من المشاريع الهامة، والتشديد أيضا على عزم الدولة مواصلة مقاربتها التنموية بتسخير كل إمكانياتها المادية واللوجستيكية والبشرية لتدارك التأخير المسجل في بعض المشاريع وتنفيذها في الآجال المعلن عنها.. كما قام عدد من الوزراء بزيارات منفردة للوقوف على مدى تقدم المشاريع التي تهم قطاعهم والاستماع للساكنة، تنفيذا للتعليمات الملكية السامية، حيث انخرطت جميع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية ذات الصلة بالأوراش التنموية لتنفيذ التزاماتها بالتسريع من إنجاز مختلف المشاريع التنموية المندرجة في إطار مخطط « الحسيمة منارة المتوسط » الذي أعطيت انطلاقته بتاريخ 17 أكتوبر 2015، والذي يستجيب في تفاصيله لمجمل المطالب الاقتصادية والاجتماعية المعبر عنها من طرف الساكنة.

وهنا يجب الاعتراف بالتعاطي الإيجابي لمؤسسات المجتمع المدني والتمثيليات السياسية في الدينامية المعلنة من طرف الدولة وتسجيل تراجع ملحوظ في وتيرة الاحتجاجات التي تعامت معها السلطات العمومية طيلة سبعة أشهر الأولى من الحراك بطريقة إيجابية توازي بين حفظ الأمن وحفظ حرية التظاهر السلمي.
هنا سيلجأ ناصر الزفزافي رفقة زمرة من الأشخاص إلى التصعيد حيث نصب نفسه ممثلا لساكنة الإقليم والمحاور الوحيد باسمها، رافضا الاعتراف بمؤسسات الدولة والهيئات المنتخبة بهدف الدفع إلى أفق مسدود وخلق حالة من التوتر والاحتقان بالإقليم، والذي تجلى أساسا في إضرام النار في إقامة سكنية ووسائل نقل مخصصة للقوات العمومية

وتجسد تصريحات الزفزافي هذا المنحى لأنها لا تمت بصلة إلى المطالب الاجتماعية والاقتصادية بل تمس بالأمن والسلامة الداخلية للدولة من خلال التحريض على حمل السلاح، وإهانة أجهزة الدولة وهيئات ينظمها القانون والتهديد والتحريض بالتصفية الجسدية والقتل في حق موظفين عموميين، وإضرام النار بمسكن الغير، والدعوة لإهانة علم المملكة والتظاهر بدون ترخيص بالطرق والأماكن العمومية والتجمهر المسلح والتهديد بشل الحركة الاقتصادية للإقليم.. من خلال تهديد التجار الذين لم يلبوا نداءات إغلاق المحلات بالإضافة إلى الدعوة إلى مقاطعة الدراسة وامتحانات آخر السنة، الدعوة إلى العصيان المدني والتهديد بتخريب المنطقة وتحويلها إلى سوريا والعراق في إشارة إلى الحرب الجارية في البلدين.
بل رسم لنفسه صورة زعيم معارض راديكالي، حيث لا يتجول إلا وهو محاط بحراس شخصيين استعراضا للقوة..

لقد اندرجت هذه التوجهات الراديكالية التي قادها ناصر الزفزافي ضمن مخطط مدروس باستعمال وسائل تنظيمية وتواصلية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الانتشار في صفوف الساكنة وتوسيع رقعة الاحتجاجات وزعزعة استقرار البلاد، وذلك من خلال أساليب تقوم بتحوير الحقائق للتعتيم على منجزات الدولة في المنطقة، والترويج لأخبار زائفة وتوظيف صور وأشرطة فيديو مفبركة لا علاقة لها بالحسيمة.. لقد أصبح كما لو أن الدولة وأجهزتها تمثل قوة استعمارية والزفزافي بطل تحرري.. لذلك لم تجد كل سبل الحوار وحسن النية ومبادرات الاستجابة لمطالب الساكنة، وهنا سيأتي التحول نحو السرعة الثانية.
في منعطف خطير وغير مسبوق يؤكد بوضوح زيف خطابات السلمية لدى متزعمي الاحتجاجات، عمد ناصر الزفزافي ورفاقه، يوم 26 ماي 2017، إلى اقتحام أحد المساجد بمناسبة صلاة الجمعة، وعرقلته لخطبة الجمعة مع توجيهه للقذف والشتم تجاه الخطيب ومؤسسات الدولة.. وقد لقي هذا السلوك المشين استنكارا ورفضا تاما من أغلب مكونات المجتمع المغربي على اعتبار أنه انتهاك لحرمة الدين ولقداسة أماكن العبادة واعتباره استفزازا مشينا للشعور الديني للمغاربة.. وقد وجدت قوات الأمن نفسها خلال عملية القبض على الزفزافي في مواجهة عنيفة من طرف متزعمي الحراك وأتباعهم تسببت في تسجيل عدد كبير من الإصابات المتفاوتة الخطورة بعضها أفضى إلى عاهات مستديمة لدى أفراد هذه القوات.. فتقرر منع كل أشكال الاحتجاج غير المصرح بها بالمنطقة حفاظا منها على أمن المواطنين وسلامة ممتلكاتهم.
ويوم عيد الفطر، عرفت الحسيمة أحداثا خطيرة حيث قامت عناصر ملثمة بمهاجمة القوات العمومية بالرشق بالحجارة..
استمرار هذا النهج التصعيدي في الاحتجاج أثر بشكل سلبي على الحياة الاقتصادية والسياحية بالإقليم خاصة أن الاحتجاجات تزامنت مع موسم العطلة الصيفية، لتتعالى تبعا لذلك أصوات مجموعة من الفاعلين الاقتصاديين وأرباب المحلات التجارية للتنديد باستمرار نداءات الاحتجاج رغم التجاوب الإيجابي لمؤسسات الدولة مع مختلف المطالب المعبر عنها.
وكما في أي عمل سياسي، هناك سراق الفرص والمتاجرون على ظهر الأمة وقضاياها الحيوية فقد انخرطت جمعيات حقوقية ومدنية في حملة ممنهجة اتهمت من خلالها مؤسسات الدولة بممارسة التعذيب تجاه المعتقلين دون استنادها لأية معطيات مثبتة وعمدت إلى ترويج خطابات مغرضة تبخس مجهودات الدولة في المجال التنموي في الإقليم وتتهم السلطات العمومية بتغليب ما سمي « مقاربة أمنية ».
وقد عقد مصطفى وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان يوم 6 يوليوز 2017 لقاءا تواصليا مع عدد من الجمعيات المهتمة بأحداث الحسيمة (ما يناهز 30 جمعية)، تم فيه تقديم مجموعة من التوضيحات حول مجموعة من الادعاءات المتضمنة بتقارير بعض الجمعيات (الإيقافات والاعتقالات والتعذيب…)، فضلا عن عروض من قبل بعض القطاعات الحكومية المعنية (الصحة، التجهيز والنقل واللوجستيك والماء، الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والتربية الوطنية)، همت مختلف المشاريع والبرامج التنموية سواء المنجزة أو في طور الإنجاز بإقليم الحسيمة.
وقد تم التفاعل مع مطالب هذه الجمعيات بخصوص إيجاد آلية لإطلاق سراح المعتقلين على خلفية أحداث الجسيمة كمدخل لرفع التوتر عن المنطقة، والإطلاق الفوري لسليمة الزياني (سيليا)، مراعاة لوضعيتها النفسية الحرجة، وفتح تحقيق حول المزاعم المتعلقة بانتهاكات التعذيب، وإعادة الثقة في الجمعيات من قبل الدولة، وعبر الرميد عن استعداده للتوصل من قبل الجمعيات بأية حجة توثق وقوع تعذيب أو أي انتهاكات، بغية اتخاذ الإجراءات اللازمة في الموضوع.
وسيبرز تطور الأحداث دخول بعض الأطراف بالخارج بمواقفها المعادية للدولة المغربية ومؤسساتها لاستغلال هذه الاحتجاجات والعمل على تأجيجها خدمة لمصالحها وأجندتها الخاصة..
يتجلى هذا الدعم من خلال عمليات جمع الأموال، والدعوات إلى التبرع، وتوفير حافلات بالمجان أو بأثمنة رمزية أحيانا، لضمان المشاركة المكثفة لنفس المجموعات في جميع الأشكال الاحتجاجية المنظمة في العديد من المدن الأوروبية، وهنا يطرح التساؤل حول مصادر تمويل هذه الأنشطة التي تتطلب إمكانيات مادية مهمة.
من بين العناصر الممتهنة للاحتجاج بالخارج والمتفرغة بشكل حصري « لإذكاء الاحتجاجات تحت الطلب »، تبرز بشكل جلي مجموعة من العناصر المغربية المتبنية لقناعات عدمية تبخيسية لمجهودات الدولة، ومن بينهم عبد الصادق بوجيبار وفريد أولاد لحسن وعبد الوافي حرتيت وكريم الموساوي وفكري الأزرق وجمال أيو ومحمد بنعيسى ومحمد أشهبار وحسن بويتوي وبلال عزوز، والذين يتحركون على وجه الخصوص، بكل من هولندا وبلجيكا وإسبانيا.
بعض العناصر المذكورة أعلاه تشتغل إما لحساب عدميين راديكاليين متطرفين وإما لحساب مافيات الاتجار في المخدرات والهجرة غير الشرعية كتاجر المخدرات سعيد شعو (قيد مسطرة التسليم من قبل السلطات الهولندية لنظيرتها المغربية من أجل جناية الاتجار الدولي في المخدرات).
وقد سطرت « التنسيقية الأوروبية لدعم الحراك الشعبي بالريف » لعدة برامج احتجاجية بدعم مباشر من جهات معروفة بمواقفها المعادية للوحدة الترابية للمملكة، تم خلالها رفع أعلام « البوليساريو » جنبا لجنب مع أعلام « جمهورية الريف الوهمية »، والتشديد على عدم رفع العلم الوطني، إضافة إلى مهاجمة وتعنيف أفراد الجالية المتشبثين بمقدساتهم الوطنية، كلها معطيات تبين بالملموس النزعة الانفصالية والتخريبية لبعض مسؤولي لجان الحراك بأوروبا.
استمرت المسيرات والاحتجاجات لعدة شهور، ووقعت بعض الانزلاقات على سبيل المثال قام مجموعة من الأشخاص بأعمال شغب أدت إلى إلحاق الأذى ب12 عنصر أمن وإحراق شاحنات نقل أفراد القوة العمومية، وتحطيم زجاج السيارات وإضرام النار بمقر السكن الذي كان يقيم به رجال الأمن بأكمله مما تسبب في احتراق معدات العمل الخاص بعناصر الدعم (الأسلحة الفردية والجماعية وكذا الذخيرة) خاصة بعد انفجار بعض قنينات الغاز، التي أصيب على إثرها بعض من العناصر الأمنية بحالات للإغماء جراء الاختناق بالدخان الكثيف وقطع الطريق العمومية لعرقلة سير القوات العمومية وسيارات الإسعاف.
انطلقت عملية البحث والتحري وتقديم الجناة إلى العدالة، فتم إنجاز محاضر لهم من طرف الضابطة القضائية ضمنت بها جميع تصريحاتهم طبقا لقواعد المسطرة الجنائية، ثم تم تقديمهم أمام قضاة النيابة العامة الذين تبين لهم من خلال تصريحات المتهمين وبعض الحجج والدلائل التي تم الحصول عليها أن بعض الأفعال تكتسبي طابع الخطورة والمس بأمن وسلامة البلاد، فتوبع مرتكبوها من أجل ذلك، وتمت إحالتهم على قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالحسيمة.

تمت إحالة الملف والمتهمين البالغ عددهم 55 متهما على قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء حيث تمت مواصلة الإجراءات طبقا لنصوص القانون. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس كل المتهمين متابعين بجرائم المس بأمن وسلامة الدولة، ولكن هناك من المتهمين من له أفعال وجرائم يستحيل مناقشتها في معزل عن مناقشة أفعال وتهم المتهمين الآخرين.
وفي احترام تام للمسطرة القانونية، أبدت النيابة العامة وجهة نظرها فيما جاء في أمر قاضي التحقيق فاستأنفت الأمر بشأن المتابعات الواردة في حق بعض المتهمين أمام الغرفة الجنحية، فيما تمت إحالة الباقي وعددهم 22 متهما على هيئة المحكمة وأدرج ملفهم بجلسة 12/09/2017 حضرها المتهمون ومحاموهم، وتقرر تأجيلها لجلسة 03/10/2017 . وخلال المقبل من الجلسات فإن المتهمين سيتم الاستماع إليهم ومواجهتهم بالأفعال المنسوبة إليهم بحضور دفاعهم، ثم يتم عرض الأدلة التي تدينهم من طرف الوكيل العام للملك وستفتح لهم فرصة الرد عنها ودحضها ليفتح المجال بعد ذلك لمرافعات المحامين الذين سيبسطون كل ما لديهم من ملاحظات وآراء يمكن أن تبرئ موكليهم، وفي النهاية ستختلي المحكمة في غرفة المداولات لتقوم بتقييم الحجج والدلائل والقول بمؤاخذة المتهمين أو تبرئتهم طبقا للقانون وبناء على اقتناعاتهم التي تكونت لهم عن القضية من خلال الأدلة والردود المتوفرة في الملف وأنهم سيكونون ملزمين بتعليل أحكامهم وقراراتهم.