أخبار الهدهد

حملة الأقلام عبيد السلطان

jeu 1 Fév 2018 à 16:14

« ما أريده هو أن أنتهك الممنوع وأن يظل صامدا »
أنسي الحاج
علاقة السلطة بالمثقف علاقة ملتبسة عبر كل فصول التاريخ، فخارج ذلك التآلف الأسطوري، الذي مثلته حكايات كليلة ودمنة، بين الملك دبشليم الذي كان يمثل السلطة السياسية – المادية.. والفيلسوف بيدبا الذي كان يمثل السلطة المعرفية – الرمزية، وخارج بعض الاستثناءات التي لا تتكرر مثل تلك التي جمعت أرسطو بالأسكندر المقدوني وفولتير بملك فرنسا وهيغل بالملك فريدريك الثاني، لا يحفظ التاريخ الكثير من علاقة الود بين السلطة والمثقف.. من محنة ابن حنبل وابن رشد حتى غربة أدونيس.. لقد كان المثقف العربي بمثابة « الآلهة التي تفشل دائما »، على حد تعبير إدوارد سعيد
وفي المغرب ظلت العلاقة دوما متوترة بين « المخزن » والمثقف، فباستقراء التاريخ نجد أن العلماء أو أهل الحل والعقد، ظلوا يحتلون مراتب دنيا في الهرم السياسي بسبب خوف « المخزن » من الرأسمال الرمزي الذي يحملونه أو تحت تعلة ضعف خبرتهم في مجال التسيير والتدبير، وظل السلاطين المغاربة يعتمدون في تسيير دواليب الدولة على العسكريين والتجار من ذوي الخبرة، ولم يكونوا يتركون للعلماء سوى الوظائف الأقل خطورة، مثل: الكتابة/ القضاء/ النظارة.. وعوض أن يُنظر إلى دور التوازن الذي يمكن أن يلعبه المثقف/ الخاصة/ العلماء.. بين السلطان والرعية، كان « المخزن » يعمل على إبعاد المثقفين اتقاء لشرهم، وهذا ما أكده « ابن زيدان »، حين قال: « العلماء تتقيهم الملوك كما تتقي ملوك أوربا المجالس وآراء العامة الناشئة وحرية المطابع ».. وقد صنف الأستاذ مصطفى الشايب في كتابه: « النخب المخزنية في القرن الـ 19″، روافد السلطة المخزنية التي تبتدئ بالعائلات الأصلية.. النسب والحسب، والمعروفة بولائها للمخزن، ثم الخبرة في التجارة أو الخدمة العسكرية وبدرجة أقل العلماء، خاصة من خريجي جامع القرويين.
وباستقراء تاريخ السلطة السياسية الحديثة نجد نفس النهج يظل ساري المفعول، فعلاقة الحكم بالمثقف تظل متوترة، كانت السلطة تعمد إلى إبعاد المثقف المعارض وتعدمه رمزيا أو ماديا حتى، وحين تستوعبه تجعله تبعيا، فهي لا ترضى بغير علاقة قنانة مع المثقف، ويظل نموذج عبد الله العروي حاضرا في هذا الباب، فقد أصيب العروي بصدمتين عطلتا مشروع إصلاحه الفكري:
الصدمة الأولى جسدتها وفاة رجل من العيار الثقيل في حجم علال الفاسي، والصدمة الثانية مثلها رحيل استراتيجي وازن من عيار عبد الرحيم بوعبيد، مما جعله يغير زاوية نظره بخصوص منطق الإصلاح، واندمج في دواليب الدولة بهدف نبيل.. التغيير من الداخل، كان يريد أن يختبر صدقية أطروحاته، لكن رياح السلطة جرت بما لا تشتهي سفن المثقف، فماذا حدث؟
تُرك عبد الله العروي لما اعتبره الحكم أفكارا طوباوية غير واقعية في وَحْل السياسة، واسْتُعمل في مراسيم بروتوكولية جافة، هكذا كان العروي يضطر للبقاء في فندق بلغازي بطرابلس لأيام وهو ينتظر استقبال القائد الليبي ليسلمه رسالة من « شقيقه » الملك الراحل الحسن الثاني، على سبيل المثال.. نفس الشيء حدث مع الدكتور المهدي المنجرة، لما أهداه الحسن الثاني كتابه « التحدي » موقعا بخط يده، وكان ينوي استقطابه إلى جانبه.. لكن المنجرة اختار خندقاً مغايراً حين ترأس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان وهو ما كان يسبب لصهره وقريبه، حارس الأختام الملكيَّة عبد الحق المريني، الكثير من وجع الرأس.. فوجد نفسه خارج دائرة السلطة..
كان يمكن لمثقف وازن من حجم العروي أن يلعب مع الراحل الحسن الثاني نفس الدور الذي لعبه أرسطو في حياة الإسكندر الأكبر، بحيث يتحول المثقف إلى عقل الدولة بغرض الاستفادة من تلك الخميرة الفكرية، التي تجسد المنارة التي ترشد السفن التائهة بين الأمواج المتلاطمة في الدياجي المعتمة للسياسة، لكن السلطة لم تكن ترضى بغير علاقة قنانة للمثقف مع سلطته، لذلك عاش العروي على هامش الفعل المركزي للقرار السياسي، وكذلك الشأن مع مثقفين كبار لم يرضوا أن يكونوا مجرد أقنان في حظيرة السلطان.