أخبار الهدهد

محمد السادس يدعو من مدينة الداخلة لخلق فضاء إفؤيقي أوسع

ven 16 Mar 2018 à 13:53

وجه الملك محمد السادس رسالة إلى المشاركين في الدورة الرابعة لمنتدى « كرانس مونتانا »، الذي خصصت دورته الحالية لموضوع « إفريقيا والتعاون جنوب – جنوب »، حيث قال : » إن القائمين على الموعد أبوا إلا أن يعقدوا دورتهم السنوية، مرة أخرى، في مدينة الداخلة التي تحظى بمكانة متميزة في تاريخ المغرب، فضلا عن موقعها الاستراتيجي الفريد، باعتبارها صلة وصل بين المملكة وعمقها الاستراتيجي الإفريقي.
كما أضاف الملك: « من دواعي ارتياحنا، أيضا، أن نسجل ما وصل إليه منتدى كرانس مونتانا، مع تعاقب دوراته، من نضج كبير وإشعاع واسع، حيث أضحى محفلا دوليا رئيسيا يحج إليه كبار صانعي القرار السياسي، وشخصيات مرموقة تمثل مجتمع الأعمال وعالم الفكر والمجتمع المدني من شتى المشارب، بالإضافة إلى نخبة من صناع الرأي من مختلف بقاع العالم ».
الرسالة المقدمة في افتتاح المنتدى أشادت بوجاهة المواضيع التي يتناولها، والمستوى المتميز للمشاركين فيه وتنوع أطيافهم. « كلها مقومات تتيح إغناء المناقشات واستكشاف آفاق جديدة، وبلورة قوة اقتراحية حقيقية، واستشراف المستقبل بمزيد من الاطمئنان والثقة. كما تمنح المنتدى إشعاعا دوليا كبيرا، بالإضافة إلى تكريس الأهمية الخاصة بقارتنا إفريقيا، بوصفها قارة المستقبل »، تزيد الوثيقة.

واعتبر ملك المغرب أن إفريقيا تمر حاليا بمرحلة حاسمة، تتسم بتعدد أبعاد ما تشهده من تحولات، ترسم معالم قارة إفريقية تموج بتغيرات متسارعة، وتنأى بنفسها تدريجيا عن كل التصورات النمطية والصور السلبية المغلوطة التي ظلت لصيقة بها. مشددا على أن مساحة القارة تشكل فضاء زاخرا بالفرص والإمكانات، وتمتلك أعلى نسبة من الشباب في العالم، كما يتوقع أن يبلغ تعداد سكانها مليارين ونصفا بحلول عام 2050، وسوف يكون نصفهم من الشباب دون سن الخامسة والعشرين.

« يشكل هؤلاء الشباب ثروة ديمغرافية مهمة ينبغي تدبير تأهيلها بحكمة وتبصر. فمن شأن هذا التطور الديمغرافي الهائل أن يحدث تحولا كبيرا سيغير مجرى الأمور، لا على صعيد إفريقيا فحسب، بل يمتد إلى كل جهات المعمور. كما يشكل هذا الرصيد البشري ركيزة أساسية للتنمية، وفرصة ثمينة يتعين على قارتنا استثمارها للحاق بركب القوى الصاعدة »، يقول الملك.

من أجل تقدم إفريقيا لابد لها من حشد كل طاقاتها، وفق تقييم الملك محمد السادس للوضع القاري، وإقامة شراكات مبتكرة تعود بالنفع على جميع الأطراف المنخرطة فيها. داعيا أبناء القارة الإفريقية، لاسيما الشباب منهم، للتعبئة الجماعية والتحلي بالعزم والإصرار من أجل رفع التحديات الجسام التي تواجهها إفريقيا، والانخراط الفعلي في الدينامية الإيجابية للنمو المشترك.

إلى جانب حسن استثمار الموارد والإمكانات المتوفرة، يرى الملك أنه نبغي لإفريقيا أن تسخ ر كل الوسائل والآليات المتاحة لها، لكي تستجيب للتطلعات المشروعة لشعوبها، لاسيما من خلال التعاون « جنوب – جنوب »، الذي يعد إحدى الركائز الأساسية لانبثاق إفريقيا كقارة صاعدة. ويردف: « المغرب من البلدان الإفريقية التي يحدوها طموح كبير وإرادة أكيدة لتمكين إفريقيا من تولي زمام أمورها والتحكم في مصيرها.

ومما ذكر في الرسالة: « آلينا على أنفسنا، كما عرضنا ذلك في السنة الماضية ضمن رسالتنا إلى المشاركين في الدورة السابقة، أن نأخذ باختيار شجاع، يتمثل في جعل هذا التعاون بين بلدان الجنوب في صلب سياستنا الإفريقية. فبتوجيه منا طور المغرب نموذجا مبتكرا حقيقيا للتعاون جنوب – جنوب، قوامه تقاسم المعارف والكفاءات والخبرات والموارد، مع إشراك كافة الأقاليم الفرعية للقارة والقطاعات ذات الصلة … فقد تمكن المغرب من اكتساب خبرات تحظى بالاعتراف والتقدير على الصعيد الإفريقي، سواء في المجالات المرتبطة بنقل التكنولوجيات، أو تقاسم المعارف، أو إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص في مختلف الميادين، أو في مجال التكوين والتعليم العالي ».

الملك محمد السادس كشف أن المغرب، على مدى خمس عشرة سنة، أبرم 1000 اتفاق تعاون مع 28 بلدا إفريقيا؛ وهي اتفاقيات تتعلق بمجالات متنوعة، تشمل التعليم والصحة، والتكوين في مجال البنيات التحتية، والفلاحة. وشدد على أن « العرض المغربي، الذي يضع العنصر البشري في صلب انشغالاته، ويجمع بين المكون الاقتصادي والاجتماعي، وبين البعد الثقافي والروحي، وبين الجانب الأمني والعسكري، يظل من هذا المنظور أيضا نموذجا فريدا من نوعه ».

يقوم المغرب بتكوين أكثر من 25000 طالب إفريقي داخل جامعاته ومؤسساته الأكاديمية، وفاء لنهجه في مجال التعاون الذي يراعي الاحتياجات التي تعبر عنها البلدان الشقيقة. وتحرص المملكة على إقامة مشاريع استراتيجية كبرى منها، على سبيل المثال لا الحصر، مشروعان مهيكلان على الصعيد القاري، هما مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يهدف إلى إعادة هيكلة سوق الكهرباء على المستوى الإقليمي، ومشروع إحداث وحدات لإنتاج الأسمدة بشراكة مع إثيوبيا ونيجيريا، الذي يروم تحسين المردودية الفلاحية، وتعزيز الأمن الغذائي في المناطق التي ينتمي إليها هذان البلدان؛ يقول الملك.

وشددت الرسالة المفتتحة دورة « كرانس مونتانا » الجديدة على أن « هذه التوجهات المؤسسة على التقاسم المفيد للجميع، وعلى تعزيز الشراكات القائمة بين مختلف مناطق القارة، هي التي تؤطر عودة المغرب إلى أسرته المؤسسية المتمثلة في الاتحاد الإفريقي »، وضمنها أهاب الملك بكل البلدان الإفريقية إلى تعزيز انخراطها في هذا التعاون البناء من خلال تقوية فعالية للمؤسسات الإقليمية وشبه الإقليمية، باعتبارها ركائز متينة للاندماج القاري. وقالت إن أبعاد التعاون جنوب – جنوب، الذي يرسي المغرب دعائمه، تتجسد في مجموع الإشكاليات ذات الصلة باستقرار القارة الإفريقية وتنميتها، والتي تعد الهجرة أحد تجلياتها.

عاد الملك محمد السادس إلى التطرق لظاهرة الهجرة وهو يعتبرها « تشكل في حد ذاتها فرصة يمكن استثمارها، وليست تهديدا بأي شكل من الأشكال ». قائلا إن « أزمة الهجرة التي نشهدها اليوم ليست حديثة العهد، ولا ينبغي اعتبارها قدرا محتوما. فهي تتطلب منا العمل على تعزيز التعاون بين البلدان الإفريقية، في المقام الأول، ثم مع بلدان الشمال. وبصفتنا رائدا للاتحاد الإفريقي في موضوع الهجرة فقد اقترحنا على الدورة الثلاثين لقمة الاتحاد الإفريقي أجندة إفريقية حول الهجرة تتمحور، على الخصوص، حول إحداث مرصد إفريقي للهجرة، وإحداث منصب المبعوث الخاص للاتحاد الإفريقي المكلف بالهجرة، وذلك من أجل الإلمام الصحيح بهذه الظاهرة في أبعادها الشاملة ».

ثم استرسل: « تبوأت بلادنا موقع الريادة في مجال استقبال وتدبير تدفقات المهاجرين غير القانونيين الوافدين على المملكة المغربية. إن هذه المبادرة التي حرص المغرب على اتخاذها من منطلق إنساني محض، لا تمثل وجها جديدا من أوجه التضامن إزاء أشقائنا الأفارقة فحسب، بل تعزز أيضا التزامنا الراسخ تجاه الشعوب الإفريقية، كتوجه ثابت تجاه أشقائنا الأفارقة، وليس شعارا أجوف نردده في المحافل الدولية ».

وبخصوص ثاني المجالات الجديدة للتعاون البيني الإفريقي التي بلورها المغرب، في إطار علاقاته مع دول القارة، فتهم التصدي للتغيرات المناخية وآثارها المدمرة؛ وفق ملك البلاد الذي أكد وعي المملكة بما باتت تشكله هذه الظاهرة من تهديد متزايد للجهود الموجهة لخدمة قضايا التنمية والسلم والأمن بالقارة الإفريقية.. وواصل: « إن إفريقيا، تدفع ثمنا باهظا في هذا المجال، على الرغم من أن ما تطرحه من غازات مسببة للاحتباس الحراري لا يتعدى 4 بالمائة من مجموع الانبعاثات في العالم ككل. وقد حرص المغرب، حين استضاف الدورة الثانية والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (كوب 22)، على تيسير الشروط الكفيلة بتفعيل اتفاق باريس حول المناخ، من خلال مؤتمر رفع شعار العمل الفعلي، ووضع انشغالات إفريقيا في صلب المناقشات التي تخللت أشغاله. ونغتنم هذه المناسبة لنجدد دعوتنا لبلدان الشمال كي تفي بالتعهدات التي أكدتها في مراكش، لاسيما ما يتعلق منها بخفض انبعاثات الغاز المسببة للاحتباس الحراري، وبتمويل الاستراتيجيات المناخية لبلدان الجنوب ».

« اغتنمنا فرصة هذا المحفل العالمي حول المناخ، فدعونا إلى عقد قمة العمل الإفريقية الأولى، التي حضرها 41 من أشقائنا رؤساء الدول والحكومات الأفارقة، وتبادلنا خلالها الآراء والأفكار بشأن ما نواجهه من تحديات مرتبطة بالتصدي للتغيرات المناخية، واتفقنا على مجموعة من التدابير العملية المستعجلة لمعالجتها. وقد قررت القمة، بمبادرة منا، إيلاء الأولوية لتنمية منطقة الساحل، مع التركيز على حوض بحيرة تشاد، والدول الجزرية، وحوض نهر الكونغو. وبهذه المناسبة، قدم المغرب مبادرات ملموسة بهدف المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي بإفريقيا. ويتعلق الأمر على الخصوص بمشروع « تكييف الفلاحة بإفريقيا »، الهادف إلى تقوية قدرات الفاعلين في القطاع الفلاحي، بالإضافة إلى مشروع « الحزام الأزرق » الذي يروم التصدي لارتفاع حرارة المحيطات. كما أعربت المملكة المغربية عن استعدادها لتقاسم تجربتها الناجحة مع شركائها في مجال تشجيع استخدام الطاقات النظيفة والمتجددة، وتطوير الفلاحة المسؤولة، واستغلال الموارد البحرية على نحو مستدام »، تورد الرسالة الملكية.

ونبه الملك محمد السادس المشاركين في المنتدى، بمدينة الداخلة، إلى ان قارة إفريقيا تعيش مفارقة تتجلى في امتلاكها جل الموارد الطبيعية الضرورية لتحقيق تنمية بشرية مطردة، بينما تعاني شعوبها الفقر والتهميش في ظل الاقتصاد العالمي. وفسر: « التجارة البينية الإفريقية لا تمثل سوى 13 بالمائة من إجمالي المبادلات التجارية على الصعيد القاري، ولا يتعدى حجم مساهمتها في التجارة الدولية نسبة 2 بالمائة. وبالتالي، فالقارة مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، باستثمار الفرص التي تتيحها العولمة والاستفادة منها على النحو الأمثل. إن قارتنا لا يعوزها الطموح ولا الإرادة اللازمة لذلك، بقدر ما هي في حاجة إلى بلورة أشكال تنظيمية جماعية جديدة لإدارة المجالات الترابية وتدبيرها. وذلكم هو المنطق الذي يحكم اختيارنا للجهوية المتقدمة محورا لنموذجنا التنموي الاقتصادي ».

كما أوردت رسالة الملك أن الجهوية المتقدمة ليست مجرد تدبير ترابي أو إداري، بل هي تجسيد فعلي لإرادة قوية على تجديد بنيات الدولة وتحديثها، بما يضمن توطيد دعائم التنمية المندمجة للمجالات الترابية، ومن ثم تجميع طاقات كافة الفاعلين حول مشروع ينخرط فيه الجميع. داعيا الجهات المغربية للتتحول إلى مجال ترابي يملك صلاحية تدبير الشؤون المتعلقة بمستقبله، في إطار الوحدة الترابية للمملكة. وأضاف:  » لقد أردنا لجهات المغرب الاثنتي عشرة أن تؤسس لشكل جديد من النمو الاقتصادي: نمو شامل، تساهم فيه كل القطاعات العمومية والخاصة، مع التركيز على تقوية التماسك الوطني وتعزيز الولوج إلى الخدمات العمومية في مناطق تتمتع بمؤهلات تنموية واعدة ».

وعن الورش نفسه أردف: « إذا كانت هناك جهة تجسد التنزيل الفعلي لمفهوم الجهوية فهي هذه الجهة الجميلة التي تجتمعون فيها اليوم، لاسيما هنا في مدينة الداخلة: فقد شهدت تحولا عميقا في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، شأنها في ذلك شأن باقي الأقاليم الجنوبية. وإننا لعازمون على المضي قدما على هذا الدرب، حتى تستعيد الصحراء المغربية دورها التاريخي، بوصفها ملتقى طرق وصلة وصل بين مختلف أرجاء القارة. وكما تعلمون، فقد ظل المغرب وما يزال يؤكد التزامه بتقاسم تجربته في هذا المجال مع البلدان الإفريقية الشقيقة، سواء في إطار تنفيذ الاتفاقيات الثنائية مع شركائه، أو من خلال موقعه داخل منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة الإفريقي؛ » التي تحتضن الرباط مقرها ».
« لقد انخرطت بلدان إفريقيا في المسار الصحيح، وهي تسير اليوم بخطى ثابتة على درب اللحاق بنادي الدول الصاعدة، بفضل حكمة قادتها وإشراك شعوبها في مسلسل ديمقراطي لا رجعة فيه، يستجيب لتطلعاتها المشروعة إلى السلم والتنمية البشرية وتثمين القدرات. ولا يخامرنا أدنى شك في أنكم ستخرجون من هذا الجمع المهم بتوصيات ومقترحات بناءة، سيكون لها الأثر الفعال في التصدي للتحديات المختلفة التي يواجهها العالم أجمع، وإفريقيا على وجه الخصوص. وإننا ندعوكم، في هذا الصدد، إلى التعريف بمزايا نهج تعاون فعال ومتعدد الأبعاد بين دول الجنوب، وبفوائد اعتماد مقاربات تشاركية باعتبارها رافعة لتحقيق الارتقاء الجماعي ».