أخبار الهدهد

عندما أعلن الحسن الثاني في خطابه: « إني أنتظر فقط أن تعلن الجزائر الحرب على المغرب »

ven 8 Juin 2018 à 02:52

كوكاس+جبهة+بوليساريو+الصحراء+قضية+المغربعبد العزيز كوكاس

يستمر الكاتب الصحفي عبد العزيز كوكاس في رصد متغيرات وضع جبهة بوليساريو بين الداخل والخارج، مستعرضا ضمن رويته المغايرة التي ضمنها كتابه الموسوم ب »جبهة بوليساريو.. من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال »، معطيات تاريخية وسياسية لعبت أدوار جوهرية في جعل قضية الصحراء تصبح على وجه التعقيد التي هي عليه اليوم

في المرجعيات الأولى التي كان يحتمي بها الشبان الصحراويون، المشتعلة رؤوسهم بأحلام الحركة الماركسية اللينينية وتجربة الفيتكونغ والأفكار الماوية، والذين شكلوا اللبنة الأولى لبوليساريو، كان الهدف يكمن في تحرير المناطق الصحراوية من الاستعمار الإسباني، وكان طبيعيا بالنظر إلى سلامة وأهمية مواقف من هذا النوع، أن يكون ذلك الهدف مغريا ومشجعا وموقظا لأحلام ونزوعات كبرى.
بيد أنه بعد تحقيق هذا المطلب عام 1975، لم يبق أمام جبهة بوليساريو أي مبرر في الاستمرار، لكن الأدهى من ذلك أن استمرارها وقد انتفت بواعثه الموضوعية، سيقترن بتنفيذ سياسات معادية لا علاقة لها بحوافز التأسيس، إذ تحولت إلى مجرد أداة طيعة في مختبر التشويش على المسار الطبيعي الذي آلت إليه المواجهة بين المغرب وإسبانيا من جهة، والمغرب والجزائر من جهة ثانية.
وهنا يأتي المخطط المعدل في الدهاليز السرية بين الجزائر وإسبانيا اللذين يختلفان حول الطحين لكنهما يتفقان غالبا حول العجين المشترك، والمتمثل في إعادة خلط الأوراق بالمنطقة، ووضع الكثير من الأشواك في القدم المغربي، إذ كرد فعل على النزيف الداخلي لبوليساريو الخارج، تم اللعب في مطبخ الأقاليم الصحراوية وإن بملاعق طويلة، بإخراج « بوليساريو الداخل » إلى حيز الوجود.. مستغلة لحظة انتقال السلطة في أعلى هرم الدولة، وانشغال المغرب بتأثيث بيته الداخلي بعد إعلان المصالحة مع ماضيه وعزمه على تحقيق انفتاح أوسع في مجال ممارسة الحريات، تم استغلال كل هوامش الحرية والانفتاح من يافطة حق التعبير إلى حق الاحتجاج والتجمعات، ومن حرية الصحافة إلى تأسيس الجمعيات المدنية ذات الحمولة الانفصالية التي كشفت عن نفسها منذ أحداث العيون في ماي 1999، وما تلاها من تطورات، وصولا إلى أحداث العيون في نونبر 2011 .
ثمة تلاقي آخر على مستوى نشأة بوليساريو الخارج وبوليساريو الداخل برغم اختلاف السياق الزمني، ويرتبط بسوء تقدير القوى الحاضنة والداعمة على السواء.. غداة تأسيس بوليساريو الخارج كان الاعتقاد السائد هو أن النظام المغربي يعيش في عزلة تامة وأنه على وشك الانهيار، وأن الوضع الداخلي مهيأ للانفجار خاصة بعد المحاولتين الانقلابيتين، تحكي الكاتبة « أنيا فرانكوس »، في مؤلفها « جزائري اسمه بومدين »، واقعة ذات دلالة في هذا السياق: « حينما كنا مطمئنين على أن الحسن الثاني يعيش معزولا في قصره معرضا لانتقادات ضباط جيشه، مشكوكا في حب الشعب له، تغير الوضع في رمشة عين.. وأصبح رجلا قويا في منطقة المغرب العربي، والجزائر مشغولة بدعم الشعب الصحراوي، تجد نفسها معزولة وحدها لتقول التقارير الدولية إنها نهاية هواري بومدين.. أعلن الحسن الثاني المسيرة الخضراء وضحك كل الجزائريين، وقالوا إنها مهزلة، إطلاق 350 ألف مغربي بالقرآن في أيديهم لمواجهة مدافع وصواريخ الإسبان، وقلنا في الجزائر إنها حسابات مكيافيلية وسيناريو هوليودي، وصرح بومدين بلسانه: « إنها السينما « ، لكن بومدين تجرع كأس المرارة عندما جاءه عبد العزيز بوتفليقة رئيس دورة الأمم المتحدة متحدثا عن حصوله على توصيات.. فقاطعه مندوب الجزائر في الأمم المتحدة، عبد الرحمان رحال، أمام الرئيس بقوله: « إنك يا بوتفليقة تمثل علينا مسرحية، فكل الدول العربية وكل دول عدم الانحياز وكل الدول الغربية اتخذوا موقفا مؤيدا للمغرب، واحتفل المغرب بالصفعة التي تلقّاها تعنّتنا ».
وتضيف أنيا فرانكوس: » كان الحسن الثاني قد أقفل على بومدين بعد اتفاقية مدريد قفصا وأدخله في عزلة قاتلة، وعندما أعلن الملك الحسن الثاني في خطاب 15 فبراير 1976: » إني أنتظر فقط أن تعلن الجزائر الحرب على المغرب »، اجتمع مجلس القيادة الجزائري ليصدر بيانا يقول: « لا حرب مع المغرب من أجل بوليساريو ولا سلم مع المغرب بدون بوليساريو »، وقد تم سحب الجيوش الجزائرية التي تتدخل داخل الحدود المغربية (…) وزادت هزيمة الجزائر عندما أعلن الوالي رئيس بوليساريو انضمامه لوحدة مع موريتانيا يكون رئيسها المختار ولد داداه ».
« اتفاق الجزائر بين موريتانيا وبوليساريو، في 5 أغشت 1979، والظروف الغامضة التي اكتنفت توقيعه، حيث كان إذعانا للجبهة التي فرضت انسحاب موريتانيا من تيرس الغربية – دون إخطار شركائها في اتفاق مدريد – في موعد رُتب له أن يكون سريا، لكن المغرب اطلع عليه، فبادر ب »احتلال » تيرس الغربية. ولم يحقق الطرفان الموريتاني والصحراوي أي مكسب »؛
نفس الخطأ في تقدير الأوضاع الداخلية بالمغرب سيتكرر مع نهاية التسعينيات عند رحيل الحسن الثاني، حيث تم ترويج الحديث عن تفكك مراكز القرار وهدم سلطة النظام بسبب ضعف هرم الدولة، وتم تصوير انفتاح المغرب واتساع الهامش الديمقراطي كأنه مجرد بداية لانفراط حبات سبحة السلطة المركزية، وأن استعمال سلاح حقوق الإنسان يمكن أن يُفكك بنية الدولة من الداخل كما جرى في العديد من دولة المنظومة الاشتراكية، وهو ما أبرز سوء تقدير الجزائر لتعقيدات الوضع الداخلي بالمغرب، لأن الافتراضات والتخمينات لا تكفي وحدها لفهم بنية نظام ضارب بجذوره في التاريخ، والدليل أن انتقال المملكة في ظل محمد السادس من سياسة الدفاع إلى سياسة الهجوم، والإنهاء مع سياسة الكرسي الفاخر عبر اللعب في ذات رقعة شطرنج الخصوم، كانت كافية لسحب أكثر من 36 دولة لاعترافها بجبهة بوليساريو.. فالسياسة تُبنى على الوقائع لا على التوقعات والتخمينات!