أخبار الهدهد

السوق السياسي بالمغرب .. مروضو قرود ونصّابون وحلايقية

jeu 19 Juil 2018 à 22:49

عبد العزيز كوكاس
لم أجد من نعت لوصف ما يقع في المشهد السياسي، الآن وهنا، غير وصف « السوق »، فما يحدث اليوم في الحقل السياسي المغربي قريب جدا حد التماهي، مع السوق الأسبوعي.. هناك الحواة، مرقصو الأفاعي الذين يستعرضون مهاراتهم مع « حيات » تغربت عن موطنها وفقدت رمزية خلودها وأضحت فرجة للمتسوقين الفضوليين، وهناك السحرة والمشعوذون الذين يحتالون على السذج من الناس، يجلبون لهذا الحظ، ويدعون إبعاد الشر عن ذاك، ويخلطون جلود حيوانات بأعشاب عديمة الفائدة ولا يصدق عقل آدمي سوي أنها تجلب السعد وتدرأ النحس، ويعرضون مبيعاتهم الغريبة أمام المتسوقين بغير قليل من التباهي..
قريبا منهم يوجد الحلايقية، حكواتيون وبائعو أوهام ومغنون… يمثلون ـ أتذكر التشبيه الذي قدمه المستشار الملكي الحالي وأستاذ القانون الدستوري السابق محمد معتصم حين أقام التماثل بين التمثيل النيابي في المغرب والتمثيل المسرحي ـ بعضهم يحاول أن يخرج الضحك من تحت الطبقات السميكة للحزن لدى المتحلقين، وآخرون يروضون القرد، الذي يتعرض للمسخ بالمعنى الكافكاوي، لا الشعبي الميثولوجي الراقد في الذاكرة الجمعية حول القرد، يأمره بأن يؤدي صلاة العجوز، ويبرز للناس كم الساعة، ويقوم ببعض الحركات البهلوانية التي تسرق ضحك هؤلاء البدو المتعبين.
وفي الطرف الآخر هناك من يمارس الجذبة مدعيا أنه مجذوب أبا عن جد، يأكل شوك الصبار، يدخل مشبكا أو سكينا كبيرا في لحمه أو يشرب الماء الساخن وينفثه بطريقة تبعث على القيء في وجه الجمهور المنبهر بهذا الشخص الخارق ولو أن المغاربة كلهم فقدوا القدرة على الإحساس بالألم لكثرة ما ألفوه.
سوق أسبوعي مليء بالمواد المعروضة على الناس، بيع وشراء في البقر والغنم والخضر والفواكه الطرية والجافة، مواد غذائية شحب لونها من كثرة عرضها على الشمس الحارقة أو الأمطار العاصفة، أوان من الألمنيوم والطين من كل صنف، ملابس بالية وجديدة، كل حسب حاجاته، كل حسب طاقته.. وأصناف الأكل المختلطة بالغبار المتطاير جراء حركية المتسوقين الذين يلهثون كي لا يفوتهم شيء من السوق الذي لا ينعقد إلا مرة في الأسبوع، الازدحام في الممرات المفتوحة بين الخيام المنتصبة، حيث ينشط النشالون واللصوص، والمهووسون حد المرض بالاحتكاك بالمؤخرات، مساومات هنا وهناك والشاطر يفوز في النهاية.
تختلط الأصوات المرتفعة عبر مكبرات الصوت تعرض: دواء البرغوث والعقارب وسراق الزيت، يكررها صاحبها بغباء ويصاب بالتعب كلما تقدم النهار، صوت البراح يُشيع في الناس أوامر السلطة ونواهيها: « ما تسمعوا إلا كلام الخير »، مع العلم أن ما يأتي بعد هذه العبارة لا يكون خيرا أبدا.
في مدخل السوق، هناك شخص لا يسهو ولا يغفو، هو أول من يفتتح السوق وآخرُ من يكتب نهايته، إنه « صاحب الصنك »، محصل الضرائب الضرورية لولوج السوق، وهناك المقدمين أو الشيوخ الذين قد ينزوون في خيمة لشرب الشاي وتقرقيب الناب ومعرفة ما يروج من أخبار لملء تقاريرهم اليومية التي تنتعش كل أسبوع، لأن السوق هو مجال لاستهلاك وتداول الأخبار والشائعات.. قرب السور المحيط بالسوق ترسو العربات والدواب من كل صنف وترتفع الروائح الكريهة التي تذكرني بتلك المراحيض الجماعية التي كانت في الأحياء الشعبية زمن السبعينيات..
في السوق تجد كل أنواع الحرف: عطارون، خضارون، حدادون، نجارون، بقالون، « شفانجية »، « حلايقية »، « فنانة » من كل صنف، نشالون، طباخون، جزارون.. ومتسوقون من كل الطبقات الاجتماعية و »النفسية »، نساء ورجال، شباب وأطفال وشيوخ، خماسون ورباعون، رعاة وإقطاعيون، أسياد وعبيد، محرومون وغانمون، سعداء وتعساء، مؤمنون ومجرمون، دهاة وسذج..
من الشروط الأساسية في أي سوق مغربي: غياب الثقة؛ فالبائع لا يثق بالشاري، والشاري لا يثق في البائع.. المكر والخداع والتحايل، النشل والنصب.. في كل مكان من هذا السوق، قبل أن يغادر الزوج أو الابن تحذره الزوجة والأم من السرقة والنشل والنصب الذي يحترفه المزيفون والمحتالون على البدو السذج القادمين بحيواناتهم ومنتوجاتهم لبيعها.. فلا ثقة في السوق البتة.
في روايتي « ذاكرة الغياب » وصفت السوق الأسبوعي كسوق سياسي ترميزي كالآتي: « إن السوق في البداية مهرجان للصور، عيد للحواس كلها: وصف للاشتباكات السرية، ضجيج أصوات الباعة، صفقات مريبة، عقود زواج، بوادر المصالحة، تفاصيل سرية للعشق، شبق صامت يتوارى خلف العيون، الاحتكاك بالمؤخرات، صدفة اللصوص والنشالين الذين تنشط عيونهم في الزحام، المجال الحيوي لتجديد السلطة، فم الإقطاع الشره، أكياس الخضر والفواكه الطرية المهربة لرجال الدرك، كشف الأسرار ومراسيم البوح الجماعي، مطالعة الحظ على الورق، قراءة الطالع على عظمة كتف خروف، أسرار نسائية، زوج عنّين أو غيرة فاضحة..
قبة الولي الصالح حيث يأتي الكسحاء والمعتوهون وذوو الحظ المنكود من كل فج عميق، زمن بطيء كالموت، فقد قاس تبرز آثار ندوبه على المحاجر والشفاه.. توابل متراكمة كالتلال، مواد غذائية يعلوها الغبار والذباب، علب الصابون والشاي والسكر التي فقدت ألوانها لفرط ما احتملت من أشعة الشمس ورذاذ المطر..
شيوخ طاعنون في السن يجرجرون معهم الخيبة والآهات المكبوتة، حواة ورواة وفكاهيون، أطفال شاحبون، طالب معاشو: « بلاك، بلاك »، أدعية المتسولين، تهارش كلاب جائعة قرب المجزرة، قذارة وبول، شتائم وملاسنة، شبكة سرية للترابطات القبلية »…
هل بدا لكم وصفي مقنعا؟ أترك لكم حرية تتبع كل معروضاتنا في المشهد السياسي ووضعها في المكان المناسب لها من السوق الأسبوعي، لتروا النتيجة بأنفسكم.