أخبار الهدهد

19 سنة من الحكم، ما الذي تغير في مملكة محمد السادس؟

sam 28 Juil 2018 à 14:17

سعد الوطاسي
عقدان على تولي محمد السادس سدة الحكم، إنها مرحلة كافية ليبرز أسلوب ملك في الحكم، وأن تكون الأحداث التي مرت بالمملكة بحلوها ومرها قد أوصلتنا للوقوف على عهد حكم ملك.. في ملف هذا الأسبوع ل »الأيام »، أكد العديد من المحللين والفاعلين السياسيين والمتتبعين الدوليين من خارج المملكة، ومعظمهم أجانب، أن « الملكية قدر مغربي جميل ».. وأن المؤسسة الملكية صمام أمان كبير، فالفاعل الأول الذي يحرك المشهد السياسي اليوم هو الملك، والذي يخلق الحدث هو الملك، على المستوى الخارجي جهويا وإقليميا وقاريا..
لقد هبت موجة الربيع العربي على المغرب، واكتشف المغاربة والأجانب على السواء فضيلة وجود عمود فقري قوي للدولة عليه إجماع غير قمعي، إجماع شعبي تاريخي غير مفروض بقوة أمنية أو عسكرية، مؤسسات مرنة وإدارة ذات امتداد عميق في بنية المجتمع، وحتى الذي خرجوا إلى الاحتجاج اعتبروا الملكية خطا أحمر..
وإذا كان « الأسلوب هو الرجل »، المقولة التي ظل ينسبها الملك الراحل خطأ إلى المفكر الفرنسي باسكال دون أن يجرأ أحد على تصحيحها، فإن أسلوب محمد السادس لم يخلق قطيعة مع ما تراكم طيلة 38 سنة من حكم الحسن الثاني، وإنما عمل بمنطق التجاوز والبناء، أو التغيير في ظل الاستمرارية، لأن الملكيات في العالم لا تعرف القطائع، أنشأ لجنة للمصالحة، فتح اللعبة السياسية أكثر، تقدم بدستور نوعي وسط نقاش مفتوح وعلني، وحاول خلق مدن جديدة وأقطاب اقتصادية تخفف العبء الأكبر الواقع على العاصمة الاقتصادية للمغرب، وجعل الملكية قاطرة للإصلاحات، حيث أصبحنا أمام خطب واضحة تُشرّح الوضع وتضع الأصبع على الداء بدل سياسة « العام زين » و »حكومتنا خير حكومة أخرجت للناس »، وتعتبر مدونة الأسرة إحدى درر العهد الجديد، بتعبير الفاعلين المهتمين بالقضية النسائية في المغرب، الذين وصفوها ب »ثورة بيضاء » قادها محمد السادس..
أضف إلى ذلك إطلاق الملك لمشاريع كبرى تعتبر مفخرة للمملكة، توسيع شبكة الطرق، الطريق السيار، موانىء ومطارات وقناطر وجسور عملاقة، ويوازي أو يفوق ما عرفته المملكة من تشريعات وقوانين من تجديد وإصلاح مجمل ما حصل منذ الاستقلال حتى 1999، وتم إيلاء العناية الاجتماعية للفئات المقصية والمهمشة، لكن اتساع دائرة الخصاص وندرة الثروة الوطنية جعل الكثير من مشاريع محاربة الهشاشة وإدماج المقصيين تتعثر، لهذا السبب أو ذاك، ويكفي أن الملك محمد السادس امتلك الجرأة في أكثر من خطاب ليتساءل كيف أن كل هذه المنجزات لم تصل إلى الشباب ولم تمس الغالبية من المواطنين، ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يقر بفشل النموذج التنموي للمغرب.
من جهة أخرى ظلت الملكية مركز الثقة في الداخل والخارج، فالعديد من الشركات الكبرى في مجال التصنيع وقطاع الخدمات والمشاريع الكبرى لم تكن لتعرف طريقها نحو المملكة لولا الضمانات التي تمنحها الملكية كرمز للاستقرار وكركيزة للإجماع الوطني، وقد ظلت قضية الوحدة الترابية للمملكة جنبا إلى جنب مع تنمية الأقاليم الجنوبية ضمن أجندة العهد الجديد، سافر الملك إلى إفريقيا في جولات طويلة زار بلدان عديدة أنشأ شراكات اقتصادية ملموسة بمنط الشراكة لا الابتزاز السياسي أو تسويق الأوهام، وتوج ذلك بانتصار استثنائي على الذات أولا مع تراكم سنوات القطيعة منذ قرار الانسحاب من قمة نيروبي، وعلى الخصوم بعودة المغرب إلى عضوية الاتحاد الإفريقي، واحتضنت المملكة أكبر قمة عالمية للمناخ، وهو ما يعني أن الضامن الأساسي لوحدة الأمة هو هذا التعاقد المتين بين الملكية والشعب، إن محورية دور « أمير المؤمنين » في المعمار الدستوري وفي العمق الروحي للمغاربة هو الذي جعل المغرب يشكل بالفعل استثناء لا يتكرر في كل هذا المدى العربي والإسلامي الموشوم بلا استقرار الدولة وضياع هبتها وبالصراع الدموي الذي قذف بدول مثل العراق، سوريا، ليبيا، اليمن وغيرها في مصائر مجهولة..
ساهم الملك محمد السادس بشكل كبير في منح المغرب استقرارا لمؤسساته وانتشار الأمن في محيط إقليمي ودولي صعب.. وفي كل المحطات العصيبة التي عبرها المغرب ولا زال، ظلتت المؤسسة الملكية لا تخطئ موعدها مع التاريخ في الانحياز للدفاع عن وحدة الأمة وعن قضاياها المحورية، من هنا ظل العقد المتجدد للبيعة في صيغة ثورة مفتوحة للشعب والملك، ولعل هبوب رياح الثورات التي هزت عروشا وقلبت مصائر كيانات لم يكن يظن أحد أنها يمكن أن تذوب مثل فص ملح أمام احتجاجات الشعوب، وظل المغرب هادئا ومستقرا وناجيا من أدهى مخططات التنظيم الداعشي، هو خير دليل على أن محمد السادس استطاع أن يتجاوب مع مطالب شعبه وأن يسبق كل الفاعلين بطرح رزنامة من الإصلاحات البعيدة المدى التي أعطت وجها منفتحا وديمقراطيا للمؤسسة الملكية كقائدة للتغيير في المغرب.
لا يعني هذا أن كل ما وقع في مملكة محمد السادس كان إيجابيا، فوسائل الإعلام والمجتمع المدني ونشطاء وسائط التواصل الاجتماعي ينتقدون بشكل مستمر الاختلالات والانحرافات اللصيقة بتدني بعض الخدمات أو بالهشاشة الاقتصادية والفقر والبطالة وأعطاب السياسة العمومية وانتشار الفساد في مؤسسات الدولة وضعف القطاع العمومي…، إن الملك نفسه يصطف إلى جانب من يعانون وخطبه توجه أقوى نقد للطبقة السياسية ولأشكال الانفلات من العقاب.
لقد اتضح أن قوة مؤسسات الدولة بالمغرب، التي بفضلها ننعم في ظل ديمقراطية نسعى بشكل جماعي لتصليب عودها وتمتين دعاماتها، وبأمن يحسدنا عليه الأقربون والأبعدون، وباستقرار يسمح باستمرار عوامل التنمية والإصلاح الذي اتضح أنه ليس خيارا تكتيكيا في المملكة، بل خيارا استراتيجيا تتجاوب فيه الملكية والشعب من أجل مصلحة هذه الأمة.