أخبار الهدهد

شكلان متناقضان للممارسة السياسية بالمغرب.. اتقوا الله في وطنكم !

jeu 2 Août 2018 à 09:59

عزيز العلوي
المواطنون ليسوا على نفس المستوى في حل تعقيدات السياسة وطلاسيمها، وخارج المفهوم التقليدي للديمقراطية، فإنه ليس مطلوباً من كل المواطنين أن يتوفروا على حنكة سياسية وتصور نظري/ فكري للممارسة الديمقراطية.. إن ذلك غير موجود حتى في البلدان التي أرست دعائم تقاليد باذخة في الممارسة الديمقراطية، يقول المفكر الأمريكي رسل جيه دالتون: « يجب علينا بالتأكيد ألا نخطئ بالمبالغة في تقدير حجم حنكة الجماهير الغربية، فهناك دائما أمثلة لناخب يحمل آراء تفتقر إلى الحكمة والترتيب، بل إن بعضهم يبقى جاهلا بكل القضايا السياسية » (دور المواطن السياسي في الديمقراطية الغربية).
إن الحراك الاجتماعي الذي عرفه المغرب منذ انطلاق الربيع العربي، يُبرز أنه أصبح لدينا مفهومان للسياسة، كل مفهوم يتضمن مجموعة قضايا وقيم وسلوكات متداخلة، هناك السياسة التقليدية التي لا تستقطب إلا رأس المجتمع، أقصد السلطة السياسية والأحزاب والنقابات، والتي توجد تعبيراتها اليوم في الصحافة الحزبية والرسمية على حد سواء، بل حتى جزء من الصحافة الحرة أصبح منشغلا بالجانب التقليدي للسياسة، حيث الانشغال اليوم بدورات البرلمان ومجالس الحكومة والمجلس الوزاري، والعنوان الأكبر لهذه السياسة التقليدية هو السرعة القصوى في اتجاه التوافق للمصادقة على المشاريع المقترحة من الحكومة، وأساساً وزارة الداخلية، لملء الفراغ وإرضاء النخب المتمرسة انتخابيا..
السياسة التقليدية تُدار اليوم في أروقة معزولة عن سياق الدينامية الاجتماعية، موضوعها هو العتبة واللائحة، المناصفة وتمثيلية الشباب بعد الحسم في تاريخ الاقتراع.. هي أيضا التمويل والتقطيع الانتخابي واستغلال الإعلام العمومي بشكل توافقي، والحد الأقصى للممارسة السياسية التقليدية هو التحالفات الظرفية والأغلبية الحكومية… هذا المفهوم التقليدي للممارسة الديمقراطية يبدو مطمئنا ظاهرياً للمنجز اليوم في الحقل المغربي: استقرار مؤقت في ظل هيجان عربي انقلابي، حركية اجتماعية سلمية، تواطؤ أو توافق – لكل المعنى الذي يريده – بين السلطة السياسية والأحزاب التقليدية المقتنعة بامتدادات جماهيرية مزعومة، ودعم غربي للاستثناء المغربي..!
وهناك دينامية سياسية جديدة، لا علاقة لها بالبرلمان أو الحكومة، ولا بالانتخابات وتوابعها، هي التي تمارس في الفضاء العمومي، والتي تعكس أن عموم المغاربة أصبحت لهم معايير جديدة في تعاطيهم للسياسة، قوامها الاحتجاج على سنوات الحكرة والفساد والاستبداد والاستبلاد، وروحها ضرورة إنزال السياسة من السماء إلى الأرض حيث ينبت الزرع، وشعارها « لا للفساد نعم للتغيير »، في اتجاه مغرب ديمقراطي حداثي يتسع لجميع أبنائه، والفضاء العام الذي تمارس فيه هذه السياسة هو الشارع وخارج المؤسسات التمثيلية.. وهو ما يمنح الديمقراطية مضموناً شعبيا، ويعيدها لأصلها كممارسة حرة لشعب حر يحكم نفسه بنفسه..
الشكل الأول للممارسة الديمقراطية بالمغرب اليوم يبدو منعزلا عن سياق التطور العالمي، فرغم مظاهر حسن النية وضدها أيضا، فإنه لا يستقطب أكثر من 15 إلى 20 في المائة من مجموع المجتمع المغربي على أبعد تقدير، النخبة السياسية المتورطة في الاشتغال داخل المؤسسات الرسمية تعرف ذلك، لكن بحكم جنيها لفوائد جمة في ظل هذه الممارسة، فإنها لا تفكر في مزالقها ولا في مآزقها وانعكاساتها على البلاد والعباد.
بينما الشكل الثاني للممارسة الديمقراطية يتمثل في الدينامية الاجتماعية ا، وهذا الحراك الاجتماعي الذي شمل كل الفئات، وأصبح يمتد إلى القرى والمداشر البعيدة.
كنا نعتقد أن الدستور الجديد يمكن أن يشكل ذلك الجسر الذي يصالح الجمهور مع النشاط التقليدي للسياسة، ويعيد زرع الثقة في المؤسسات والقيم والبنيات الأساسية للديمقراطية.. لكن للأسف فإن الشكل الذي تُدبَّر به أمور السياسة في مغرب اليوم لا تطمئننا على الآتي من الزمن.
في كل النقاشات العمومية، المحدودة أصلا، لا يوجد تفكير لكيفية أن يجد الشكل الجديد للممارسة السياسية نفسه في الشكل التقليدي للممارسة الديمقراطية، أي، كيف تعاد جسور الثقة بين المواطن والمشاركة السياسية في ظل بنيات الدولة ومؤسساتها التمثيلية. وأخشى أن نجد أنفسها غداً أمام أرقام هزيلة لنسبة المشاركين في العملية الانتخابية القادمة.
وباستثناء التنبيه الملكي لخطورة الوضع وانزالاقات الإصلاح، فلا السلطة السياسية ولا الأحزاب بما فيها تلك المستقلة في نشأتها عن الإدارة المغربية، تطرح سؤالا واحداً حول موقع هذا الجمهور العريض، العازف عن كل أشكال الممارسة التقليدية للديمقراطية، وعن مشروعيتها التمثيلية في ظل عدم إبداء أي اهتمام بما يجري اليوم بين النخب الحزبية والسلطة السياسية.
إن المشاركة المحدودة للمواطنين وضعف الانخراط الحزبي ستجعلنا أمام ديمقراطية هزيلة بدون قواعد اجتماعية، أي رأس بدون جسد… إن الدولة كما جل الأحزاب السياسية تهيئ لمحاولة ااستعادة الثقة بوعي شقي، في العمق هناك إحساس بازدياد عنصر فقدان الثقة في « البْرِيكُولاج » السياسي الحاصل بالمغرب، لكن هناك إصرار على عدم تصحيح الوضع، وهي زلة تجعل الأحزاب مثل إطارات فارغة برغم أن الواقع أصبح يكذب كل شيء…
المقتنعون بإجراءات التوافق، هل يطرحون على أنفسهم سؤالا واحداً: ماذا نريد من مغرب الغد؟
برلمان بوجوه معروفة راضية مرضي عنها، حكومة برأس كلاسيكي، ونسب هزيلة في المشاركة، هل اكتمل النصاب القانوني للممارسة الديمقراطية؟!
كنا نعتقد أنه بعد الخطاب الملكي التاريخي ليوم 9 مارس الماضي، والذي أعتبره بصدق إلى جانب خطاب المسيرة الخضراء أبرز علامات ذكاء ملكين في مغرب الألفية الثانية والألفية الثالثة، أننا أمام ثورة حقيقية في المفاهيم والأفكار، في الممارسات والبنيات والمواقف، لكن شكل ثاني حبك أنت.. إذ نشاء ويشاءون!
مئات المغربة يتظاهرون يوميا، هوامش أبدعت أشكالا احتجاجية جديدة ضد التهميش والفقر، المعطلون من ذوي الشهادات العليا يقتحمون المؤسسات الرسمية والحزبية ويعتصمون بها، والعنف الذي ترتفع نسبه – حسب التقارير الرسمية، ضد الأصول والفروع وضد النساء من طرف الشباب الذكور، كما لو أنه يغطي بخجل على مقاصده الأصلية… كل هذا لا أثر له، للأسف، حتى في تفكير شبيبات الأحزاب المستقلة عن الإدارة، اعذورني لم أعد قادراً على قول إنها أحزاب ديمقراطية!
رحم الله زمناً كان فيه لكل معركة في الشارع صدى في هذه الأحزاب، لم يعد للأنشطة الاجتماعية في أشكالها الجديدة أي أثر في التحرك الحزبي، وهنا مكمن الداء..
وأعتقد إذا ما استمر الحال على ما يبدو من علامات اليوم، فإن لا جديد تحت شمس المغرب،
إن الممارسة السياسية النبيهة اليوم، تقضي الإنصات إلى القاعدة الاجتماعية وما تزخر به، وإذا كانت السلطة السياسية تعي جيداً أن الطريق نحو الديمقراطية الحقة يمر عبر الحوار والاهتمام العام والمشاركة الواسعة في الممارسة السياسية، فإن على الأحزاب أن تُنصت لما يُعتمل في قاع المجتمع، وأن تُدخل نفسها في إطار التمرين الديمقراطي الواسع، أما السرعة التي تؤثت بها اليوم، للوصول إلى الفيترينة الديمقراطية: دستور جديد مجتمع عليه، اقتراع شفاف بمشاركة ضعيفة، وزير أول من صناديق شفافة يعبد لها الطريق، برلمان وأغلبية حكومية، حكومة غير مزعجة ومعارضة مضمونة العواقب، وهامش مجتمعي شاسع وفوار، فلا يعني سوى المهزلة وانتظار الأسوء!
إننا أمام جمهور متغير له مطالب آنية، جمهور بدون أب تقليدي يمكن إغراؤه أو لجمه أو التفاوض معه أو إخضاعه من خلال توريطه في ملفات أو قضايا مالية أو أخلاقية، جمهور يمتد عبر شساعة جغرافيا الوطن وله مطالب لا تجد صداها في البرلمان ولا في الحكومة، فعن أي تراكم ديمقراطي سنتحدث؟!
إن مغرباً مستقراً وهادئاً لن يكون بدون إمداد الجسور بين الشكل التقليدي للممارسة السياسية وبين النشاط الاجتماعي لعموم المواطنين ونشاطاتهم السياسية، وعلينا استيعاب المشكل قبل فوات الأوان!
إن جزءاً كبيراً من التوازن القائم اليوم، بين مفهومي الممارسة السياسية، « الشعبي » و »الرسمي » إذا جاز لنا التعبير، يعود إلى الحياد السلبي للطبقة المتوسطة في المغربي، التي توجد في وضعية المتفرج اليوم، إنها غير معنية بما يحصل من توافقات سياسية.
إن الأمر في المغرب، أشبه بملعب لكرة القدم، هناك اللاعبون في أرضية الملعب، يتنافسون بينهم وفق قواعد لعب مضبوطة وهناك حكام يسهرون على تطبيق قانون اللعبة وتوجيه الإنذارات لمن يخرقونه، وهناك الجماهير التي لم تعد تتفرج على اللعبة لا تشجيعها ولا حماسة إلا لدى ما ندر وتستلذ بلعبها الخاص الذي يطفو بشكل غريزي أحيانا، وهناك الطبقة المتوسطة في منَصَّة شرفية تتفرج بحياد بارد مرة على اللاعبين في الملعب، ومرة على تتبع « لعب » الجمهور دون حماسة تذكر.