أخبار الهدهد

العثمانيون الجدد قادمون

jeu 30 Août 2018 à 18:45

عبد العزيز كوكاس
نحن نعيش لحظة تحول عميق.. نعرف نقطة انطلاقته لكن لا نعرف على أي رصيف سيرسو ولا نستطيع أن نخمِّن معالم هذا التحول.
العنوان الأبرز لهذا التحول المشوق في الكثير من مقاطعه في رقعة العالم العربي والإسلامي، هو عودة الخلافة العثمانية، أو الميلاد الثاني لنظام الخلافة العثماني.
لقد ولدت تجارب الإسلام السياسي ثلاثة نماذج أساسية استطاعت الوصول إلى الحكم وخلقت امتدادات جغرافية وتحالفات وأقطابا وازنة في معادلات الصراع الإقليمي والدولي، أهمها:
* تجربة الإسلام السياسي الوهابي، التي انطلقت من أرض الحجاز وجسدت العربية السعودية نموذج الدولة الحديثة التي تقوم على الإرث الوهابي التقليدي.. بلغ الامتداد الإقليمي للوهابية أوجه في أفغانستان ضد الاحتلال السوفياتي، وبحكم حسابات الحرب الباردة ظل الغرب يدعم النموذج الوهابي في مواجهة الحركات اليسارية والأنظمة الشيوعية، تجربة هذا النوع من الإسلامي السياسي أفرزت الكثير من التناقضات، إذ دعم أنظمة استبدادية وأنتج السلفية الجهادية التي سيمثل تنظيم القاعدة عتبتها العليا الأكثر تطرفا، وليس حكم طالبان سوى العتبة العليا للإسلام الجهادي الذي سيصبح مناقضا لموطن نشأته بالسعودية، أقصد الموروث الوهابي الذي اكتسى نفساً جديداً مع تحرير عاصمة كابول من المد الشيوعي وتدعم نظريا بالبعد الجهادي ذي الطابع الأممي، ويعتبر السعودي الثري أسامة بن لادن الرمز الأقوى لهذا الاتجاه.
برغم التأثير الذي مارسه الإسلام السياسي الوهابي طيلة القرن الماضي، إلا أنه سيفقد الكثير من جاذبيته مع الأحداث الإرهابية لـ 11 شتنبر 2001 وتراجع الدعم الغربي وانقلاب الكثير من المعادلات في السياسة الدولية الجديدة.
* النموذج الخميني الفارسي الشيعي: شكلت الخمينية منذ منتصف السبعينيات، نموذجاً للإسلام السياسي الذي امتلك جاذبية قصوى لدول الجوار خاصة في منطقة الخليج، ومع طموح تصدير الثورة الخمينية، اتسع مدى تأثير الإسلام الفارسي في العراق، البحرين، الكويت، سوريا، لبنان وفلسطين… ووصل إشعاعه إلى شمال إفريقيا، غير أن اندلاع حرب الخليج الأولى أعاق امتداد نفوذ الإسلام السياسي الخميني، وجعل محور تفوقه في حدود دول المحيط الإقليمي لإيران، وستجسد الأحزاب الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان النموذج الأقصى لامتداد تأثير الإسلام السياسي الفارسي خارج رقعة إيران.. ومع نجاح حزب الله في معارك تحرير جزء من لبنان وتشكيله دولة داخل الدولة اللبنانية، بدأت جاذبية هذا النموذج تتسع، غير أن نتائج حرب الخليج الثانية وانفجار الملف النووي مع صعود المتشددين في إيران، والموقف الإيراني من أزمة النظام السوري كان لها أثر سلبي على هذا الاتجاه، ممكن أن تنعكس على شكل امتداده.
* النموذج التركي: ظل وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني يعزف على الوتر الأخلاقي لاتحاد القارة العجوز الذي ترك تركيا تتجه نحو الشرق، لقد كان يتوفر على عيون زرقاء اليمامة فيما يرتبط بخطورة تجذير آل أتاتورك لعمقهم الاستراتيجي، في بعده العروبي الإسلامي، بل إنه اعتبر قرار الاتحاد الأوربي بعدم قبول طلب انضمام تركيا، أشبه بالجحود لما بذله أحفاد أتاتورك في زمن التحالف مع الغرب منذ الحرب العالمية الثانية.. الوزير الإيطالي فراتيني كان يعي مخاطر تخلي الغرب عن تركيا، التي اتجهت نحو عمقها الاستراتيجي.. الشرق في بعده العروبي الإسلامي.
انكفأت تركيا منذ صعود العدالة والتنمية إلى الحكم إلى تحقيق استقرار اقتصادي وتنمية بشرية فعالة، وأصبحت نموذجاً مغريا لباقي القوى السياسية الصاعدة في دول الجوار خاصة مع إعلانها عن مواقف قومية جد متقدمة (أسطول الحرية ومبادرات كسر الحصار على غزة والضفة الغربية).. وعلينا حسن قراءة دلالات زيارة أردوغان إلى مصر مباشرة بعد الإطاحة بنظام مبارك في زمن الربيع العربي..
إن الأمر أشبه بعودة الجامعة الإسلامية إلى الوجود بديلا للجامعة العربية المشلولة.
جاء أردوغان إلى القاهرة ليرفع من سقف إشعاعه القومي، وقال مخاطبا المصريين ومن خلالهم العرب: « نحن الأتراك والعرب شعبان، مستقبلنا واحد نرسمه معا »، ووفق نظرية القوس المشدود والسهم المندفع كما نظر لها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في كتابه « العمق الاستراتيجي.. موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية »، فإن الغرب الذي لم يستطع استيعاب وجود دولة علمانية بهيمنة إسلامية، سيفهم متأخراً أن تركيا ستذهب نحو الغرب انطلاقاً من توغلها في الشرق وفرض شروطها في سياق لعبة الأمم بميزان قوى تصنع عناصره الآن، وهذا ما حاول تأكيده عبد الله جول مستشار الرئيس التركي حين قال: « إن تركيا أصبحت دولة تطير بأجنحة متعددة ».
إن نظرية « القوس المشدود والسهم المندفع » التي ترسم استراتيجية تركيا اليوم، تعني أنه كلما اشتد القوس إلى الوراء « وتجبَّدْ مزيان »، كلما اندفع السهم في الاتجاه المعاكس الذي يرتد إليه وتر القوس، إن اشتداد القوس يتمثل في الدور الطلائعي الذي أصبحت تلعبه تركيا في الشرق على امتداد خريطة العالم العربي/ الإسلامي والسهم المندفع لن يكون إلا في اتجاه الغرب لكن هذه المرة من موقع قوة.
تكفي الإشارة إلى أن تركيا تعتبر ثاني أكبر بلدان العالم نمواً بعد الصين، وخلال خمسة عشر سنة وصل عدد السياح بتركيا إلى 27 مليون سائح بدخل بلغ 22 مليار دولار عام 2010، وفي عقد من الزمن انتقلت نسبة التضخم من 55 في المائة إلى 10 في المائة فقط، وارتفعت نسبة النمو من أقل من (9.5- في المائة) إلى 10 في المائة تقريبا، وارتفع دخل الفرد السنوي من 3500 دولار إلى 10500 دولار، وانخفض عجز الميزانية من 12 في المائة ليصل درجة الصفر، وسددت تركيا جل ديونها الخارجية..
إن كل المؤشرات تدل على أننا أمام ميلاد ثان للخلافة العثمانية، وأن نموذج الإسلام التركي أصبح يملك جاذبية كبرى وتأثيرا لا متناهيا في العالم العربي الإسلامي، تكفي محاولة استنساخ تجربة حزب العدالة والتنمية في العديد من التنظيمات الحزبية من المغرب إلى مصر.. وملاحظة الإقبال المتزايد لدول الجوار للدراسة في جامعات تركيا والدور المتعاظم الذي أصبحت تلعبه دولة أتاتورك.. إذ أن كل المعطيات تشير إلى أن العثمانيين الجدد قادمون.