أخبار الهدهد

‎‫‬‬الاحتجاجات الشعبية و فكر غوستاف لوبون‬‎‬

mer 31 Oct 2018 à 09:38

عزيز المنتاج
تقديم
عرف العالم نهاية التسعينات ثورة معلوماتية غيرت وجه الحياة على الكرة الارضية، لدرجة أصبح معها الحديث عن قرية ماكلوهان أمرا متجاوزا، هذه الثورة المعلوماتية و ما رافقها من تطور تكنولوجي رهيب، شملت جميع مناحي الحياة فمست ولامست المعيش اليومي و غيرت السلوك والعادات مما أدى إلى تغيرات ثقافية في السنوات القليلة الماضية، معتمدة عل تحويل العالم الى مجتمع شبكي كما يقول دارن بارني و ما يوفره من اتصال و تواصل يضاعف من قوة الجمهور و يبرز قضية الجماهير كظاهرة اجتماعية و اذا كان غوستاف لوبون قد قال بداية القرن العشرين اننا ندخل عصر الجماهير. ‬‎فاننا نستطيع أن نؤكد أن الطفرة المعلوماتية و التكنولوجية و ما اصبحت تتيحه من وسائط التواصل الاجتماعي قد عمقت من دخولنا عصر الجماهير، وزادت من سلطتها بعد ان صارت منصات و وسائل تعبير لمن لا وسائل لهم مما يجعل الحاجة الى فكر لوبون امرا ملحا، و خاصة في هذه السنوات التي تنامت فيه الاحتجاجات الشعبية و اصبحت تشغل بال المسؤولين ، فالحاجة الى فكر غوستاف تمليها الظروف الراهنة، في محاولة لفهم سيكولوجية الجماهير و خلفيات الاحتجاجات التي اصبحت تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي، صحيح أن نظرية لوبون و خاصة كتابه المعني بمقالنا ‬‎قد ظهر نهاية القرن التاسع عشر، وبالضبط سنة 1895، مما يجعل عودتنا اليه مدعاة للاستغراب، لكن المطلع على افكار ماكيافيلي القرن العشرين ‬‎سيدرك أنه كان يتحدث عن الجماهير، جماهير عصرنا الحالي، و ما يحركها‬‎ و ما تفكر فيه؟ و كأنه يتحدث عن جماهير وسائل التواصل الاجتماعي أو جماهير القرن الواحد والعشرين، فالجماهير -كما يقول – دائما هي الجماهير.
في البداية سنتطرق الى أهم ما جاء في نظرية لوبون حول سيكولوجية الجماهير، و سنحاول اسقاط ذلك على بعض الاحتجاجات التي عرفتها بعض الدول العربية خلال ما بات يعرف بالربيع العربي. و نختم بالحديث عن حدثين عاشهما المغرب و هما حادث كنز سرغنية و حدث المقاطعة الذي استمرت لشهور وعرف خلاله الانخراط الشعبي قمته ، وكادت أن تخلق ازمة اقتصادية و سياسية في البلاد، فهل كانت الجماهير، في كل هذه الاحتجاجات، مدركة لما كانت تفعل؟ و ما الذي دفعها للتتحرك بذلك الشكل الذي تحركت به؟ ‬‎

‎‫غوستاف لوبون و سيكولوجية الجماهير ‬‎
‎‫‬‬‬‬‬
ولد غوستاف لوبون بالنورماندي سنة 1841 و مات في باريس سنة 1931، كان موسوعيا حيث انتقل من الطب الى الفيزياء الى الانتروبولوجية الى علم النفس و اخيرا علم النفس الاجتماعي، كتب لوبون عدة كتب منها حضارة العرب و حضارات الهند و القوانين النفسية لتطور الشعوب و سيكولوجية الثورات…‬‎
‎‫ تقوم نظرية لوبون، سيكولوجية الجماهير، على دراسة الجماعات دراسة علمية، معتمدا في ذلك على علم النفس الاجتماعي الذي يعد احد اهم مؤسسيه، و ذلك في محاولة منه للإجابة على عدة اسئلة مثل: كيف تفكر الجماهير؟ و كيف تتصرف؟ و ما الذي يحركها؟ و لمن تخضع؟ و تحت اي تاثير تتشكل؟ و ما اهمية ما تفكر فيه؟ و اول ما يحاول كشفه قبل الوصول إلى هذه الاسئلة انه يميز بين ما يعنيه بالجماهير التي خصها بدراساته ونظرياته وأبحاثه.‬
‎‫الجمهور النفسي‬‬‬‬
الجماهير عند لوبون هي ذلك التجمع الذي توحد بينهم نفس الاهداف، و يخضعون لنفس المحرضات و تحت نفس التأثيرات و توحد بينهم نفس الانفعالات، و هو ما يسميه لوبون بالجمهور النفسي ‬‎، يقول « فألف شخص مجتمعون بالمصادفة على الساحة العامة بدون اي هدف، لا يشكلون اطلاقا جمهورا نفسيا، و لكي يكتسبوا خصائصه يجب أن يحصل تأثير بعض المحرضات »‬‎
‎‫ فلوبون يشترط على ما يعنيه بالجماهير التي يعينها بابحاثه ان تكون جماهير نفسية، جماهير واقعة تحت تأثير انفعالات عنيفة او تحت تاثير حدث وطني او قومي معين، بمعنى جماهير ذات اهتمام مشترك، تحركها اهداف و مصالح و غايات مشتركة، او ما يطلق عليه لوبون الجماهير الخاضعة لقانون الوحدة العقلية او التي تمتلك وحدة ذهنية.‬‬‬‬
الجماهير و خصائصها النفسية
الجماعة او الجماهير هي مجموعة افراد، و الافراد لهم روح (انفعالات، عواطف … ردود افعال …) و بالتالي فالجماعة ايضا روح، غير أن ما يفاجئنا في طرح لوبون هو أنه يرى أن الفرد ما إن ينتمي الى جماعة و بالتالي يتحول الى جمهور حتى يفقد قدراته و خصائصه لفائدة الجماعة ، فانصهار الفرد في روح الجماعة و في عاطفة مشتركة يقضي على التمايزات الشخصية و يخفض مستوى الملكات العقلية عنده .
الجماهير لا عقلانية و الفرد عقلاني
يرى لوبون ان الفرد يتحرك بشكل واع و مقصود و بدرك ما يقوم به، لكنه حين ينتمي لجماعة و يصبح جزءا من الجماهير يفقد وعيه و يخضع لوحدة دهنية و لقانون الوحدة العقلية، مما يجعل الجماعة أو الجماعير لا عقلانية، تسير وفق الوهم ووفق غرائزها الثورية. او كما يقول المترجم في تقديم الكتاب، إن الجماهير يحركها الوهم، وهم البحث عن الجنة على الارض فالوعي الفردي واللاوعي جماعي.
الجماعة يحركها الوهم.
يمكن أن نستدل على ذلك بحدث مثير عاشه المغرب العميق، خلال ربيع 2018 و هو ما عرف اعلاميا بكنز سرغينة، حين نجح شخص عادي، في إقناع أكثر من عشرة الآف شخص بالصعود الى قمة جبل ،لمساعدته على استخراج كنز من ذهب. يكفي لجعلهم جميعا اغنياء… فكيف اقنع هذا الشخص كل هذه الجماهير بهذا الوهم الذي لا يمكن أن يصدقه أحد؟ الجواب ببساطة أن هؤلاء الافراد تخلوا عن قدراتهم العقلية بمجرد تحولهم الى جماهير، و لم يعودوا يميلون الى المحاجحات الفكرية و المنطقية. وخضعوا بالتالي لما يسميه لوبون للتنويم المغناطيسي الذي مارسه عليهم قائدهم.
و الدليل أن عددا كبيرا من الذين شاركوا في مسيرة الكنز، كانوا مقتنعين بعدم وجوده و منهم شباب مثقفون و اساتذة و دكاترة، و مع ذلك شاركوا و صعدوا الجبل وأوقدوا البخور، فما لذي حدث لهم، لقد تحللت ذاتهم داخل الجماهير و لم يستعيدوها الا بعد انتهاء الرحلة، و بعد خروجهم من الحالة النفسية المشتركة التي كانت توحدهم مع الجمهور.
الجماعة لا واعية يمارس عليها التنويم المغناطيسي.
يقول لوبون بأن محركو الجماهير يمارسون عليها التنويم المغناطيسي، كما يمارسه الطبيب على المريض .و هو ما يمكن أن نستدل عليه بما حدث لأصحاب كنز سرغينة و جماهير الاحزاب وخاصة ذات الايديولوجية سواء اليسارية أو الدينية، والتي تبيع لهاته الجماهير وهم الجنة على الأرض، لأن الذين كان دائما مهيجا لمشاعر الجماهير، قبل ان تعوضه بعض الايديولوجيات السياسية، لكنه مع ذلك لا يزال المحرك الاساسي و الخطير للشعوب، و نحن نلاحظ كيف يسهل اخراج جماهير بمجرد ان نعزف على وثرها الديني أو مقدسها، لدرجة أنها تكون مستعدة للتضحية و الموت من أجل هذا المقدس او ما تراه مقدسا.
‫الجماهير لا واعية و قادتها يؤمنون بلا عقلانيتها‬‬‬‬.
حينما يصعد قائد حزبي الى منصة لقاء خطابي، فانه يدرك أنه أمام جماهير بدون وعي، جماهير تحت تأثير وحدة دهنية ، لا عقلانية. و لكنه يتظاهر بأنها عقلانية، مما يجعل المتتبع لهذه الخطابات و خاصة الذين لم يكونوا في تلك اللحظة تحت التاثير الانفعالي المشترك معهم، يدركون باستهزاء ما يقوله القائد المتكلم، فسيستغربون ولا يصدقون، ببساطة لأنهم كانوا افرادا و بكامل ممتلكاتهم العقلية التي فقدها الاخرون لحظة دخولهم ضمن الجماعة و تحولهم الى جمهور نفسي… فلو أخذنا شخصا ممن حضروا لقاء زعيم العدالة والتنمية سابقا ، والذي قال فيه، (إنه أخيرا وبعد خمس سنوات ، تمكن من إصلاح مطبخ و صالون.) و سألناه، هل تصدقه؟ لتردد، لأن قدراته العقلية التي معه الان كفرد، ستمكنه من طرح اسئلة و محاججات عقلية، مثل هل هدا تم بعشرة ملايين سنتيم شهريا و خلال خمس سنوات؟ هذا غير ممكن؟ فتساله و لماذا صدقته حين كنت ضمن الجماهير؟ حينها لن يجيبك، لانه كان خاضعا للجماعة، و لم يكن يمتلك القدرة على التفكير و الاقناع، و هذا ما يسميه لوبون و يشير اليه بقوله : » إن الجماهير أيا كانت ثقافتها أو عقيدتها أو مكانتها الاجتماعية بحاجة لأن تخضع لقيادة محرك، و هو لا يقنعها بمحاججات عقلانية و إنما يفرض نفسه عليها بقوته و سحره و هيبته » . او بما يسمى بالكاريزما. نفس الشيء يمكن أن نقوله عما قاله زعيم الاتحاد الاشتراكي أياما قبل الانتخابات ، حين أكد أمام اجتماع حزبي أن حزبه سيحصل على الرتبة الاولى، مما جلب له كثيرا من التصفيق ، فهل نصدق أن الزعيم واهم الى هذا الحد، إن فعلنا فإننا نظلمه لأنه في هذه الحالة يكون بعيدا عن الواقع الذي يعرفه أي مغربي. والحقيقة أنه يعرف أن حزبه لن يحقق هذه النتيجة، فقط يريد تنويما مغناطيسيا للجماهير النفسية التي أمامه. قادة الاحزاب أو صاحب كنز سرغينة يعرفون أن جماهيرهم لا واعية ولاعقلانية، وأنها في مرحلة تنويم، لكنهم يتظاهرون لهم بانهم واعون وعقلانيون. يقول لوبون : إن أكبر خطأ هو أن يحاول سياسي ما اقناع الجماهير بالوسائل العقلانية الموجهة الى اذهانهم ».
الجماهير نزقة منفعلة متسرعة و مجرمة
قد تبدو هذه الاوصاف قاسية في حق الجماهير، و هي تبين حجم الازدراء و الاحتقار اللذين ينظر بهما لوبون للجماهير، و الحقيقة ان هذه الاوصاف عبارة عن خصائص تتميز بها الجماعة، وقد توصل إليها علميا، واستشهد عليها بامثلة و أحداث طغت على حياة البشرية، و صبغته بالكثير من الثورات والدماء عبر تاريخها الطويل، فبالاضافة الى هذه الاوصاف يصفها لوبون بأوصاف أخرى من قبيل:
– الجماهير ساذجة تنفعل بسرعة و تخضع لعواطفها أكثر من عقلها.
– الجماهير متعصبة و أحيانا مجرمة.
– الجماهير محافظة تقدس الماضي و قد لا تعرف مصلحتها.
– الجماهير قد تدمر حتى اسباب تنميتها و تنمية مجتمعها.
– الجماهير قد تكون فاضلة ان أحسن القائد توجيهها.
ويسهل الاستشهاد بوقائع تاريخية تؤكد هذه الخصائص التي وصف بها لوبون الجماهير النفسية ، مثل ما يحدث خلال المظاهرات من تخريب وتدمير وحرق وقتل وسحل ، وهي أفعال لا يتخيل الفرد أن يقوم بها منفردا ، لكنه يقعل ذلك بسهولة إن كان داخل جماعة . وما حادث قتل القذافي والتمثيل بحثته ببعيد. قد يقول قائل مثلا إن احتجاجات 20 فبراير لم تسجل شيئا مما قاله لوبون عن الجماهير ، صحيح ، قد لا تكون مجرمة ومخربة ، لكنها كانت تحت ضغط عواطف وانفعالات ، وكانت جماهير نفسية يقودها زعماؤها ، ونتائج انفعالاتها تلك خروجها نفسه، وما رافق ذلك الخروج من إصرار و شعارات جريئة لم يكن الوقت يسمح برفعها.
إن ما يشكل اراء الجماهير حسب لوبون ،أن الجماهير تتاثر كثيرا بالكلمات و الخطابات والشعارات و تتاثر أكثر بالصور والأوهام و التجربة، و نادرا ما تشكل اراءها بناء على العقل، و بشان محركي الجماهير، فأكد لوبون أنها تخضع بسهولة للقادة و للزعماء الذين يتمتعون بجاذبية الشخصية، و هو ما يسميه المترجم بالهيبة أو ما يطلق عليه بالكاريزما، و في عصرنا الحالي، لم يعد هؤلاء القادة هم من يحرك الجماهير، بقد ما اصبح يحركهم صانعو الراي العام، ووسائل الاعلام التي اصبحت لها الريادة في تأطير الجماهير و خاصة بعد ثورة المعلومات والانفجار التكنولوجي الرقمي، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
هل جماهير وسائل التواصل الاجتماعي جماهير نفسيه‬‎؟‬‬‬
‎ما دمنا نسعى الى اسقاط نظرية لوبون على الاحتجاجات الشعبية التي تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي مسرحا لها. فلا بد منذ البداية، من طرح هذا التساؤل، و الذي تعنى به، هل جماهير وسائل التواصل الاجتماعي جماهير نفسية، وفق ما يشترطه لوبون في نظريته . فاذا كان لوبون يشترط وحدة التأثيرات ووحدة الاهداف، ليخلع عن الجماهير صفة النفسية، فإن ذلك متوفر في جماهير و رواد وسائل التواصل الاجتماعي، الذين ينظمون حملات و »هاشتاجات » بالملايين حول قضية من القضايا ذات الاهتمام و التأثير المشترك، مثل قضايا الحرب و قضايا اللاجئين، ناهيك عن العديد من القضايا الوطنية او المحلية، و هو ما يجعل هؤلاء الرواد جماهير نفسية كما يقترح غوستاف لوبون، بقي فقط شرط الزمان و المكان، اي الحضور المادي لهؤلاء الرواد، ليتسنى وصفهم بالجماعة او بالجماهير، و هو ما يفصل فيه لوبون حين يقول: « انه ليس بالضرورة الحضور المتزامن للعديد من الافراد في نقطة واحدة، ذلك أنه يمكن لآلاف الافراد المنفصلين عن بعضهم البعض ان يكتسبوا صفة الجمهور النفسي في لحظة ما و ذلك تحت تأثير بعض الانفعالات العنيفة او تحت تأثير حدث قومي عظيم » ( ص54). مردفا بتوضيح أكبر: « يمكن أن يكون شعب بأكمله جمهورا نفسيا بتأثير من هذا العامل او ذلك و بدون ان يكون هناك تجمع مرئي »‬‎ (ص 54 ). من هنا يتأكد ان جماهير وسائل التواصل الاجتماعي جماهير نفسية رغم انها غير مرئية، توحد بينها فقط انفعالات نفسية و تأثيرات و اهداف مشتركة.
المداويخ
يبدو ان لوبون قد تعب كثيرا في ايجاد الكلمة المناسبة، التي يمكن ان يطلقها على ما يعنيه بالجماهير الخاضعة للتاثير النفسي و الانفعالي، لدرجة ان قال : »… و عندئد تصبح هذه الجماعة ما سأدعوه بالجمهور المنظم نظرا لعدم امتلاكي مصطلحا اخر، او قل إنها تصبح جمهورا نفسيا »( ص 53)، و قد حاول و استعمل عدة اوصاف، منها أنها ـ اي الجماهيرـ لا واعية و لا عقلانية وخاضعة لقانون الوحدة العقلية او الوحدة الذهنية و الواقعة تحت تاثير العاطفي الانفعالي النفسي و الخاضعة لروح الجماعة، وهي كلها مواصفات يمكن جمعها بشيء من السخرية في تلك الكلمة التي أبدعها زعيم و قائد العدالة و التنمية في وقت من الأوقات حين قال « المداويخ » ، و التي تفي بكل ما كان يشير اليه لوبون. لقد قال أكثر من مرة :  » إن الافراد ، داخل الجماعة ، يحسون و يفكرون و يتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كانوا سيحسون ويفكرون و يتحركون بها لو كانوا أفرادا منعزلين »، فروح الجماعة تدفعهم لفقدان عقلهم و بالتالي تصيبهم « بالدوخة » مما يجعل كل ما تقوم به الجماعة او الجماهير لا عقلانيا و لا واعيا.
لقد تحدثنا عن حادث كنز سرغينة و ما تحمله من تأكيدات على لا عقلانية الجماهير و لا وعيها، كما تحدثنا عن بعض الحالات –كنماذج- التي يستطيع فيها القائد السياسي ممارسة تنويمه المغناطيسي على اتباعه خلال التجمعات الخطابية، لدرجة أن هؤلاء الاتباع يكونون على استعداد لتصديق كل ما يقوله، حتى لوكان غير مقبول و غير منطقي، فقط لأنهم واقعون تحت سطوته و سحره كجماهير لا واعية، خاضعة لروح الجماعة و تحت تاثير الانفعالات النفسية. بقي فقط أن نشير لما يعينه لوبون بكون الجماهير المنفعلة مجرمة و خير ما نمثل به لاجرام الجماهير، ما تقوم به مثلا جماهير الملاعب من شغب و تخريب و أحيانا قتل، لا لشيء الا لأنها واقعة تحت تأثير عاطفي، مسلوبة الارادة، همجية السلوك و أن أفرادها ما كانوا ليفعلوا ما يفعلونه لو لم يكونوا ضمن جماعة، الشيء الذي يسلبهم قدرتهم على التحليل و التفكير و ينمي لديهم السلوكات العدوانية، فاحساس الفرد داخل الجماعة يختلف عن احساسه منفردا، و لو اخذنا واحدا ممن قاموا بالشغب والتخريب والحرق والتدمير والقتل وابعدناه عن الجماعة، ثم سالناه عن رايه في ما وقع و في ما اقترف، لأكد أنه لا يعرف كيف فعل ما فعله، وانه لم يكن يتصور يوما ان يكون مخربا او عنيفا و حتى قاتلا … و لو اسقطنا مثل هذه الحالة على الكثير من الثورات و التظاهرات على مر التاريخ و حاولنا فهم ما وقع فيها من سفك للدماء و هدر للارواح لاكتشفنا ان كل ذلك، كان تصرفا لا واعيا، مجنونا، لا عقلانيا، استفاد منه محركو الجماهير التي كانت كالطوفان الهائج لا تعرف ماذا تفعل و لا كيف تتصرف، لدرجة أنها أحيانا لا تعرف حتى مصالحها، مثل ما حدث في ليبيا و سوريا، حيث أدت ثورات الجماهير الى تخريب بلدانها و بناها التحتية. وكصورة مصغرة نستشهد بما تقوم به جماهير ملاعب كرة القدم من تخريب لملاعبها و تخريب للحافلات وللسيارات وللممتلكات العمومية التي ليست في الاخير الا ممتلكاتها، و اختم هذا الباب بحادث حكاه لي أحد الاشخاص، عاش لحظة عودة الملك محمد الخامس من المنفى وما رافقه من احتفالات جماهيرية، حيث أقدم هذا الشخص على رفع مزهرية كبيرة من إحدى الادارات و قام بتكسيرها، فما كان من الجندي الفرنسي الواقف بالقرب منه، إلا أن قال له ساخرا: لماذا كسرتها فنحن لن نأخذها معنا، و الامثلة كثيرة على ما عاشه المغرب من أحداث دامية، كحدث شهداء الكوميرة و أحداث فاس خلال بداية التسعينيات .. و التي حدثت بسبب لا وعي الجماهير و التي ما كانت لتحدث لو لم تكن جماهيرية ما دام: « الفرد المنخرط في الجمهور لا يعود واعيا بأعماله و أن الجمهور هو دائما أدنى مرتبة من الانسان المفرد » .كما يقول غوستاف لوبون. .
معارضو الاحتجاجات
في هذه النافذة سنتحدث عن معارضي الجماهير؟ ماذا يحدث لهم؟ وأين يختفون؟ هؤلاء يصفهم لوبون بالاشخاص ذوي الشخصيات القوية و الذين يحتفظون بملكاتهم العقلية والفكرية ولا يسلمون زمام امورهم بسهولة للقائد او للجماعة، وهم الذين يبدأون في البداية بانتقاد افكار الجماعة، محاولين تنبيهها وإيقاظها، فهم كما يقول لوبون يبدأون أقلية، لكنهم و أمام هيجان التيار يميلون شيئا فشيئا للتراجع، قبل أن يجرفهم أخيراً و يصبحوا ضمن الجمهور، مكتفيين بين الحين والحين بإبداء بعض الملاحظات ووجهات النظر، التي لا تغير طريق الموج و لا تؤثر في مساره. يقول غوستاف لوبون : »الحشد الكبير يجرف الفرد كما يجرف السيل الحجارة التي تعترض طريقه و لا يهمه إن كانت أمية أو عالمة فالأمر سواء » (ص30.)
الجماهير والمقاطعة الشعبية
كما يعرف كل المتتبعون للشأن المغربي، أنه خلال ابريل 2018، انطلقت حملة شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي، دعمت لمقاطعة بعض المنتوجات الاستهلاكية و بعض الشركات، وقد عرفت نجاحا منقطع النظير، لدرجة أنها كادت أن تخلق أزمة داخلية بعد أن أربكت الحكومة و دفعتها لاتخاذ قرارات، تكاد تكون أخطاء ارتجالية، انتهت باستقالة أحد اعضائها و مراجعة إحدى الشركات لأثمان منتوجاتها، و لنعيد ترتيب الأحداث فقد بدات الدعوة الى هذه الحركة الاحتجاجية عبر صفحات التواصل الاجتماعي و التي تستحق أن تسمى صانعة الراي العام. و قد تزامن القرار مع ارتفاع اثمان المحروقات مع سياق صراع سياسي معروف بين غريمين سياسيين، و هكذا بدأ الافراد يدخلون و يتحولون إلى جماهير نفسية بتعبير لوبون، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء طرح التساؤلات، مبررين انخراطهم في الجماعة، بأنهم مجبرون على دعمها و المشاركة فيها دون معرفة من علق الجرس في عنق العنزة اولا… مع ما في الأمر من تبرير للاستسلام و الانخراط في الجماعة و التسليم للاعقليتها و للاوعيها… و هكذا استمرت الحملة شهورا عديدة و تسببت في خسائر لا حصر لها. دون ان تهتم هذه الجماهير بما تحقق لها، سوى الاحساس الغريزي بالمشاركة في وهم الثورة، و يعلم الجميع أن معارضي الجماهير، خلال هذه الحملة قد ظهروا فعلا، فبدأت بعد الدعوات من وزراء و فنانين و مثقفين، احد الوزراء حاول خطأ اعتماد المنطق العقلي و واجه المقاطعين حين قال كلمته « المداويخ » قبل أن يتراجع و يعتذر، نفس الشيء وقعت فيه احدى البرلمانيات حين وصفت المحتجين بالقطيع و هو وصف مقبول من وجهة نظر لوبون، لكنه بمثابة وقوف في وجه التيار وهو ما دفع بصاحبته الى سحبه و الاعتذار بشأنه، هذا المشهد تكرر مع الفنانين الذين أعلنوا رفضهم الانخراط في المقاطعة (الجماعة) قبل أن يستسلموا و يعلنوا أنهم ابناء الشعب، يهمهم ما يهمه ليجرفهم السيل و يذوبوا فيه. و هو نفس المصير الذي تكرر مع لائحة توقيعات المثقفين الذي لم يتوقف السيل ليراعي وضعهم الاعتباري و الثقافي.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، هل كانت الجماهير المقاطعة واعية و عقلانية؟ لا اقصد أمام مطالبها، و لكن في قراراتها، علما أن الكثير من المقاطعين كانوا مقاطعين فقط لأن الناس يقاطعون، وأنه لا يتحرج من كسر هذه المقاطعة عندما يتخلص من التاثير الانفعالي الذي كانت تفرضه عليه الجماعة، و ان البعض الآخر كان يخفي مشترياته حتى يعد مع المقاطعين…
اسئلة كثيرة تطرح نفسها عن غايات و أهداف هذه الاحتجاجات و طبيعتها ووعيها وعقليتها وتأثير روح الجماهير عليها.
خاتمة
في الختام نشير الى أن آراء مثيرة أخرى طرحها لوبون في كتابه، حين أقر بأن دخول الطبقات الشعبية وتحولها تدريجيا الى طبقات قائدة يمثل أحد الخصائص الأكثر بروزا لعصرنا، عصر التحول نحو ولادة قوة الجماهير. (ص45) و لوبون يقصد بداية القرن العشرين، و لو كان معاصرا لنا لتاكد من أن تطور وسائل الاعلام، بشكلها الحالي، سيعمق من هذا التحول و سيضاعف من قوة الجماهير، و يزيد من خطورتها، خاصة أنه يؤكد في موقع آخر أن تسليم الأمر لهذه الكثرة اللاوعية يؤدي الى الانحلال النهائي و أن عصر الجماهير هو آخر مراحل حضارة الغرب. (ص47).