أخبار الهدهد

قتل الصحافي خاشقجي والحقيقة الغائبة حين تصبح الحكايات والتواطؤات السياسية بديلا للحقيقة

sam 3 Nov 2018 à 21:05

عبد العزيز كوكاس
اختفى المعارض الصحافي السعودي جمال خاشقجي.. هذه هي الحقيقة الوحيدة الثابتة اليوم، فالقتل معلوم والكيف ومصير الجثة مجهول..
ما يعلمه العالم حتى اليوم هو أن الكاتب المعارض والصحفي السعودي المعروف، جمال خاشقجي، دخل يوم الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 القنصلية السعودية بمدينة إسطنبول التركية بعد أن أوصدت في وجهه أبواب سفارة بلده في واشنطن وطُلب منه الذهاب إلى تركيا، بهدف إتمام وثائق الدخول إلى القفص الذهبي والزواج من خطيبته التركية، واختفى من يومها عن الأعين دون أن يغادر مقر القنصلية السعودية.. أما الباقي فمجرد حكايات على هامش الدراما الحزينة التي تم إخراجها في أردأ سيناريو لتصفية النظام لأحد معارضيه مما سبق أن عرفه التاريخ..
لقد وجدت الحكاية أيضا – لسوء الحظ- لطمس معالم جريمة قتل وحشية وغارقة في البدائية، ستنمو مرويات كثيرة على جثة ملغزة قدر لصاحبها أن يكون مزعجا لنظام سياسي متخلف، حيا وميتا.. سار بيقين الذاهبين إلى حتفهم وهو الذي أراد أن يعانق الحياة ويتم دينه، فوجد القتلة ينتظرونه.
دخل الصحافي المعارض « صانع الملاعق »* قنصلية بلده في الواحدة زوالا حيا وفرحا بمشروع زواجه ولم يخرج إلى الوجود بعدها، وهو الحدث الذي أصبح يحتل واجهات الجرائد والمواقع الإلكترونية وشاشات تلفزيونات العالم والمحطات الإذاعية ومواقع التواصل الاجتماعي، إنه أكتوبر خاشقجي بامتياز.. أي خريف هذا لا تمطر فيه سماء الحقيقة؟
هبّ أحرار العالم لاستنكار هذه الجريمة وطالبوا بكشف الحقيقة الكاملة لوقائع اختفاء جمال خاشقجي ومحاكمة القتلة: من قتل الصحافي السعودي في القنصلية السعودية بتركيا يوم 2 أكتوبر الجاري؟ من عبث بجثته؟ كيف تواجد كل هذا الطاقم السعودي الضخم بالقنصلية في هذا اليوم بالذات الذي صادف قتل خاشقجي؟ هل يمكن أن يأتي 15 مسؤولا سعوديا للتفاوض مع خاشقجي لإيجاد تسوية والعودة إلى بلده؟ وإذا كان مجرد شجار بسيط نشب بين الصحافي وأحد موظفي القنصلية، حسب الحكاية السعودية، فماذا كان يفعل 14 سعودي آخر؟ وهل اختلاف في وجهة النظار أو شجار حتى يمكن أن يؤدي إلى القتل واختفاء الجثة؟ من أمر بقتل الصحافي المعارض وكيف تم التخطيط له؟ هل تعتبر الخطيبة التركية جزءا من الخطة السعودية وهل يورط هذا الأمر السلطات التركية؟ لم يدافع المسؤول الأمريكي كوشنير عن العائلة الحاكمة بالسعودية وكيف سعى بتحريض من إسرائيل لإقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنشر صور قديمة التقطت لخاشقجي صحبة زعماء كبار في القاعدة؟ هل يمكن أن تنفذ السعودية جريمة قتل بليدة مثل هاته بدون تغطية أمريكية؟ كيف وعد أرغان بكشف الحقيقة كاملة يوم الثلاثاء، واكتفى بذر الرماد في العيون وملامسة سطح القضية، هل لذلك علاقة بتورط تركي في عملية قتل تم على التراب التركي أم أنه يريد استثمارا سياسيا واقتصاديا للحادث لطمس معالم جريمة بشعة؟ وكيف أنه عاد من جديد بتفاصيل أقوى والتهديد بإجراء المحاكمة الدولية، هل هو خوفه من الضغط الدولي أم عدم الوصول إلى صفقة سياسية مع النظام السعودي؟
الرواية السعودية مليئة بالتناقضات ونحتاج إلى جرعة كبرى من البلادة والوقاحة حتى لتقبلها، فقد صرح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إن خاشقجي دخل مقر القنصلية في تركيا وغادرها بعد إجراء معاملة عائلية بدون أي أذى. بعدها بأيام قليلة بدأت جهات سعودية من هنا وهناك، تسرد حكايات جزئية عن عدم تشغيل وتعطل الكاميرات داخل مقر القنصلية ذلك اليوم بالذات؟
وفي الأخير أقرت المملكة العربية السعودية بوفاته داخل قنصليتها في إسطنبول، بسبب ما اعتبرته سوء تفاهم نشب عنه شجار بين الصحافي وموظف بالسفارة… النائب العام السعودي قال إن خاشقجي مات إثر شجار وقع بينه وبين أعضاء فريق مكون من 15 سعودياً أُرسلوا لإسطنبول بهدف إعادته إلى المملكة. وأن أفراد الفريق هددوا خاشقجي بالتخدير والخطف إن لم يوافق على العودة إلى السعودية ثم قتلوه عندما قاوم ورفض، وقام أحد أعضاء الفريق بارتداء ملابس خاشقجي والخروج ليبدو وكأن الكاتب المعارض غادر القنصلية »!
تضارب الروايات السعودية بشأن خاشقجي هل جاء بالفعل نتيجة معلومات داخلية خاطئة مما دفع السلطات السعودية « لفتح تحقيق داخلي والتوقف عن الإدلاء بتصريحات »، وذلك بعد التأكد من عدم صحة المعلومات الأولى، أم أن التسريبات التركية وما اكتشفه الإعلام الدولي، التركي والأمريكي خاصة، كان سببا في كل هذه الدوخة التي تشكل إحراجا أخلاقيا وسياسيا للنظام السعودي؟
أين جثة خاشقجي؟
أشار أردوغان إلى زعم السعوديين بتسليمهم الجثة إلى « متعاون محلي »، من هو؟ ولم لم يتم الكشف عن هويته حتى اليوم؟ هل اللواء أحمد عسيري هو منسق العمليات، في نظام هرمي حيث تتمركز السلطات والاختصاصات في رأس السلطة هل يمكن لنائب المخابرات العسكرية المقرب من ولي العهد السعودي أن يتخذ المبادرة وينفذ جريمة شنعاء بدون إذن من ولي نعمته؟ وإذا كان العاهل السعودي الملك سلمان قد أصدر قرار إعفاء المستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني، ونائب الاستخبارات السعودية أحمد عسيري وعدد أخر من المسؤولين، فلماذا لم يكشف عن طبيعة علاقتهم بالقضية الملغزة في تعقيدات الروايات المنسوجة حولها، الواضحة في حقائقها الصادمة لأنها لربما أغبى عملية قتل لمعارض سياسي للنظام.
فيما تقول التسريبات المخيفة من الرواية التركية أن أصابعه قطعت قبل أن يحقن ويقطع على يد خبير تشريح وصل إلى اسطنبول ومعه منشار للعظام، المحققون الأتراك عثروا على حقيبتين تحويان المتعلقات الشخصية للصحافي السعودي جمال خاشقجي خلال تفتيش سيارة تابعة للقنصلية السعودية في اسطنبول، وهنا تنتصب حكاية أخرى تذهب إلى أن ضباطا سعوديين قتلوا خاشقجي وقطعوا أوصاله داخل القنصلية. ولم يظهر في اللقطات المصورة بكاميرات المراقبة أنه كان يحمل أي متعلقات لدى دخوله القنصلية.
ورغم اتهام أردوغان مسؤولين سعوديين والمطالبة بمحاكمتهم في أسطمبول، وبرغم ما صرح به دونالد ترامب من أن أمريكا ستتخذ مواقف صريمة وأن لها خيارات كثيرة لمعاقبة السعودية، فإنه أردف ردا على مشروع قانون للكونغرس يطالب بحضر بيع الأسلحة للرياض، قائلا اليوم الخميس، كل شيء إلا توقيف بيع الأسلحة..
وفي انتظار الحقيقة، يبدو أن الحكايات المتناسلة قد تئد حقيقة الصحافي خاشقجي، إذا تغلبت انتهازية التواطؤات السياسية على دم الإنسان المقتول غدرا.

*اسم أسرة خليجية عريقة، وهي نسبة تركية، مركبة من: « خاشُق: ملعقة الطعام » و »جي: علامة النسبة » معناها: صانع الملاعق، أو الكريم في طعامه.