أخبار الهدهد

ها هنا توجد أمة، ها هنا توجد دولة

mer 15 Mai 2019 à 00:40

عزيز العلوي
غداة زحف ما سمي ب »الربيع العربي » على المنطقة العربية وأطاح بأنظمة سياسية عتيدة، وضع المغاربة أيديهم على قلوبهم، خوفا من أن يكونوا في قلب العاصفة، وهم الميالون أكثر إلى الاستقرار والأمن دون التخلي عن مطالبهم بتحسين أوضاعهم وترسيخ حقوقهم.. مرت احتجاجات شباب حركة 20 فبراير بشكل سلس في أجواء سلمية، رفعت مطالبها المشروعة ووصلت الرسالة حيث رد الملك محمد السادس التحية بأحسن منها في خطاب 9 مارس،فكان دستور 2011 أول دستور تضعه الأمة المغربية بكل مكوناتها، وانتخابات شفافة مكنت الإسلاميين من تصدر نتائج صناديق الاقتراع، وتم احترام المنهجية الديمقراطية ونص الدستور الجديد، بتعيين عبد الإلاه بن كيران الذي كان الحسن الثاني يهدد به المعارضة الديمقراطية، ولم يكن أحد يحلم بأن يصعد حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكومة في ظل دستور يمنح اختصاصات كبرى غير مسبوقة في تاريخ المملكة لمؤسسة رئيس الحكومة..
وجاءت الموجة الثانية من الربيع العربي، بعد أن أسقطت الرياح الأولى زين العابدين بن علي، حسني مبارك، عبد الله صالح، وأدخلت ليبيا بعد أن أسقطت عقيدها وسوريا بشار الأسد في دوامة القتل والقتل المضاد، لتطيح ببشير السودان وبوتفليقة الجزائر والبقية تأتي… ومع ذلك ظل المغرب بمنأى عن كل الزوابع الإقليمية، الموجهة أو التلقائية، لدرجة أن الكثيرين تحدثوا بغير قليل من الانتشاء عن « الاستثناء المغربي ».. فما السبب في كون المغرب نجح عبر تاريخه في تجاوز الهزات الكبرى التي شهدها العالم حتى مع الموجة الاستعمارية التي كانت أخف ثقلا من مثيلاتها في العالم العربي؟
المتأمل المحايد والموضوعي لتاريخ المغرب يجد أن المملكة الشريفة لم تكن أبدا بلدا طارئا لا على أحداث التاريخ ولا على سطح جغرافيته، لعل هذا ما دفع الجنرال ليوطي يقول لحظة أن وطأت أقدام المستعمر الفرنسي أرض المغرب بكثير من الاندهاش، « لقد وجدنا هنا شعبا، وجدنا دولة »، فامتداد الدولة المغربية يمتد إلى قرون ضاربة في جذور التاريخ، وفي قلب هذه الدولة جسدت الملكية اختيار أمة وليست نظاما قصريا مفروضا بقوة الحديد والنار، أو محض اختيار نخبوي أو لطبقة اجتماعية أو جماعة سياسية بل كان ارتضاء جماعيا جسد لحمة وطنية أعطت معنى للمجتمع المغربي وهوية ثقافية وسياسية ودينية للأمة المغربية، لذلك اتخذت الملكية في المغرب لون الثقافة المغربية وحظيت بشرعي دينية ووطنية وشعبية وتاريخية..
ظل السلطان المغربي يجسد الطموحات والأماني العامة للمغاربة، فهو مركز القرار وحامي الثغور وبيضة الإسلام ومصالح الأمة، وكان أغلب السلاطين المغاربة يتخذون من سروج أحصنتهم عروشا، يوحدون البلاد ويحمون الثغور من الأطماع الأجنبية، لم يكن النظام السياسي المغربي الذي تشكل الملكية قطب الرحى فيه، مفروضا من طرف الإمبراطورية الكبرى التي حكمت العالم الإسلامي من العباسيين إلى العثمانيين ولا من طرف الممالك العربية الأخرى من الفاطميين إلى الحفصيين كما في مصر وتونس والجزائر وليبيا… كانت الأمة المغربية موحدة وكان السلطان رمزا لتجسيد هواجس وأماني وطموحات هذه الأمة وبذلك حافظت الدولة المغربية على كيانها المستقل، ونجحت في منح إدارتها ومؤسسات نظامها السياسي صبغة محلية مع إبقاء اللحمة العربية والإسلامية ضمن التوجهات الكبرى للدولة من هنا سر استمراريتها وقوتها في الصمود ومواجهة التحديات المحلية والإقليمية والدولية التي فرضت عليها..
كانت مصالح الأمة المغربية جزء رئيسيا من مهام السلطان، وظلت الملكية في قلب إجماع المغاربة لذلك رأى المغاربة الملك محمد الخامس الذي اعتبر المنفى أحب إليه من خيانة الحركة الوطنية والأمانة التي طوقه بها المغاربة، رأوه في القمر، وبرغم كل الظروف التي أحاطت بحكم الملك الحسن الثاني من صراح داخلي حول السلطة ومؤامرات انقلابية وعداء إقليمي منقطع النظر حسدا وطمعا في ما تتمتع به هذه الأرض منحها الله موقعا جغرافيا جعلها على ما هي عليه من قوة ومن أطماع خارجية مستمرة، يوم رحيله بكاه المغاربة في جنازة أبهرت العالم، كما لو أنهم أحسوا باليتم وفقدان الأب، وحين اعتلى نجله العرش، لقب المغاربة محمد السادس ب »ملك الفقراء »، وأينما حل أو ارتحل كانت الحشود تأتي من كل فج عميق من دون سلطة مقدم ولا شيخ أو قايد كما كان عليه الأمر في السابق لرؤية الملك والحظوة بالسلام عليه حتى من بعيد.. وظلت زياراته للمناطق النائية فرصة للتعرف عن قرب على مشاكلها وحاجياتها وإطلاق لمشاريع متعددة لفائدة التنمية المحلية وأخرى مهيكلة جعلت المغرب أشبه بورش كبير مفتوح..
هذه الرمزيات تعتبر أساسية في فهم كيف سلم المغرب من كل العواصف التي شهدها القرن الماضي والتي أطاحت بعرش الملك فاروق في مصر والملك السنوسي بليبا وحكم الباي في تونس وأزاحت رؤساء في سائر بلدان العالم العربي، استنبتوا الجذور حول كراسي حكمهم وحولوا جمهورياتهم إلى ملكيات ممسوخة عبر توريث الأبناء والأقارب الحكم.. كما كان عليه الأمر في سوريا وما سعى إليه حسني مبارك وزين العابدين بن علي والقذافي… لم يوجد في تاريخ هذه المنطقة العربية زعيما قبل التضحية بعرشه وعدم التنكر للحركة الوطنية النابتة من قلب المجتمع المغربي والمطالبة بالاستقلال، كما فعل محمد الخامس الذي ضحى بعرشه وفضل المنفى على حياة الرفاه واستدامة الكرسي كما وعده المستعمر الفرنسي، وكافأته الحركة الوطنية في أن أجلت مطالب الاستقلال والديمقراطية وجعلت على رأس أولوياتها عودة السلطان إلى عرشه قبل أي تسوية وجازاه المغاربة بأن إعلةا صورته في قلوبهم لتتجسد على وجه القمر..