أخبار الهدهد

كيف يمكن أن نقرأ التراث

sam 25 Mai 2019 à 14:19

الحلقة الثالثة
بن المدني ليلى والغزيوي بوعلي

فقراءة التراث تتطلب الرؤية الموضوعية والعلمية، ومعرفة عميقة بما يتلائم الموضوع، لن تكون قراءة التراث لا تاريخية تختزل التاريخ الإنساني في بعد واحد هو البعد الروحاني كما يقول محمد عابد الجابري، مع إقصاء العوامل الخارجية، لكن الجابري انتقد كل القراءات التي حاولت محاصرة هذا التراث سواء كانت تاريخية، أو وصفية، أو سلفية، أو جدلية، وهذا الغياب ناتج عن عدم فهم ماهية التاريخ. وسيرورته وتطوراته، لأن هذه السيرورة، والدينامية لا تعتمد النظرة التعاقبية، بل تستمد مقوماتها من الرؤية التزامنية، مما يعيد لنا نظرة « قياس الغائب على الشاهد، لذا يطالب الجابري في مشروعه برادماج » القطيعة مع الفهم التراثي للتراث، أي الانفصال مع بنية العقل العربي منذ عصر الانحطاط وامتداداته إلى يومنا هذا، وقد حولنا هذا الفكر الدوغمائي كائنات تراتبية، دون تحويلنا إلى كائنات لها تراث، فجعل التراث معاصرا لنفسه دون حضور الذات القارئة هو حضور للإشكالية، والمحتوى المعرفي والبعد الإيديولوجي، فهذه المقومات لا ترتبط بالذات الباحثة، بل تخلق بينه وبينها مسافة، فيحدث انفصالا، أما إذا جعلنا هذا التراث معاصرا لنا كباحثين سواء على المستوى القراءة، والتفسير، والمقارنة، والتحويل والمعقولية، فإننا نجده كبنية تواصلية معنا، نوظفه توظيفا إيحائيا ورمزيا، وواقعيا، وجماليا دون الإقصاء لهذه الذاتية.
إن فعل التواصل واللاتواصل (الفصل والوصل) هي ثنائية غير قياسية أرسطية، بل ثنائية تستخلص من التراث كبراعة فكرية تنم عن قوة إيقاعية غير برانية وغير ميكانيكية، لأن حضور العقل الفعلي كما يقول الجابري هو بمثابة نشاط يتأسس بواسطة مفاهيم جديدة، وذو رؤية أركيولوجية ويقول محمد أركون في هذا المقام « إن العقل البشري إذن واحد صالح للجميع وينطبق على الجميع » .
فهذه الإرهاصات التراثية ليست انعكاسا لمجتمع أو لفئة معينة، بل هي مسايرة للإنسانية المرتبطة بالشروط العلمية الجديدة، الاقتصادية والسياسية، والاجتماعية، والجمالية، والحال إذن أن نقرأ هذا التراث في ماضيه، وفي حاضره، وما بعد حاضره، لأنه يكرس خصوصية الظاهرة الإنسانية، والحضارية بحكم نشأتها في الغرب والشرق، ومن ثم لا ينبغي بالضرورة حضور المجتمعات له والتي لم تعرف التحولات البنيوية لهذا النمط من التفكير الجديد، لذا يجب النظر إليه كما قلت من خلال الهامش والمركز، قصد ترسيخ مبدأ الانتماء الفردي، وكذا رفض المقولات الأرتودوكسية التي تلغي التنوير، والحداثة والإيمان المطلق بالعرفانية وبالألفاظ المنمطة دون فهم المعنى ويقول محمد عابد الجابري في هذا الصدد « ينبغي استخلاص معنى النص من ذات النص نفسه أي من خلال العلاقات القائمة بين أجرائه » فالتراث هو المصلحة العامة، لذا نجد الاختلاف في الرؤيا، حيث أن كل فريق يريد أن يفرض سلطته المعرفية، لكي يعود الفضل عليه، لأن عقدة القيادة « الفردية هي المشكل، أي أن الأنا هو المنقذ من الظلال كما يقول الإمام الغزالي في كتابه « المنقذ من الظلال »، وهذه الرؤية النرجسية لابد لها من نقذ ذاتي، لكي يكون متصالحا مع ذاته، فعل التصالح مع الغير.
إن النقد الذاتي لا يمكن أن يمتلكه كل باحث إلا إذا امتلك توازنا نفسيا، وهذا الامتلاك لا يتم بالفطرة بل يكون بالدراسة، والحنكة والتجربة مع الآخر، إنها عملية قرائية مضاعفة لنفسه، أي يخرج هذه النفس الأولى لكي يحاكم النفس النافية لمعرفة المحاسن، والمساوئ التي تحمله نفسه، مادام أن مخلوق من ثنائية – الخير والشر، وعبر هذه الثنائية تكون بمثابة حكيم دون إصدار أحكام صارمة في حق الآخر، فهذه الرسالة الأخلاقية، والعقلية (لا تعدو أن تكون مقياسا يدعونا إلى فهم الذات من الداخل بتنوع واختلاف.
فالتخلص من النحوي، والبلاغي، والفقهي، والكلامي، يجعلنا نضع نقدنا في الزماني والمعرفي، والإيديولوجي، لكي نحتوي التراث دون أن يحتوينا، فالقطيعة ليس مع التراث كما يقول الجابري، ومحمد أركون، وهشام جغيط، وعلي حرب، بل مع نوعيته، وشكله، وتيماته المهادنة، أي أن نمس في آن واحد « المنهج والمفاهيم والإشكالية فهذه الدعوة هي اختيار لإدماج التراث والمجتمع إلى عصر الحداثة وما بعد الحداثة، لأن هذه الخيرة هي بدورها قطيعة مع الماضي، نهضة تتأسس على المعرفة، والمهارات الجديدة، وكذا الكشف عن لطرائق التي تتم بها الاستجابة للإشارات والعلامات التراثية، لأن الفهم الموضوعي لا يتأسس إلا بنقد القراءات السلفية، واليقينية، والتي تعتمد على التمثل، والمطابقة، باعتبارها مراهقة قرائية كما يقول كانط، لأنها تعتمد على التساؤلات، والتشكيك في مقومات الفكر، والتراث ولا ترتقي إلى المرحلة الاختلافية العلمية.
فذاكرة التأسيس تجعل التاريخ له بداية ونهاية، ومصادر تنتظم وفق تصور معين، وهذا الكشف هو مطلب يقال فيه إنه تعرية لمختلف مجالاته، لذا فالتراث لا يزال يبحث عن ذاته في ظل التوجه الحداثي، والتكنولوجي، عالم يخلو من القراءات والاعتراف بالاختلاف، وبالوعي المخالف الأمر الذي يدعونا إلى حتمية طرح هذا التراث باعتباره نصا في العالم يخضع للمناهج والدراسات في مقابل إقصاء كل التراجعات التي عرفها التراث العربي في حقبة من الحقب، لأن الاختلاف والتأويل هما عاملان أساسيان في التوليد، والانتماء إلى ما بعد الحداثة، لأن الوقوف أمام التجديد باسم الحصانة، والحضانة، والحراسة، ليس إلا جريمة تلغي الوساطة بين الفكر والوجود، وبين القيمة، والهوية كما يؤكد هيدجر في كتابه (تساؤلات)، لأن الاختلاف إلا يتأسس إلا بالظهور، والانتماء، وهذا ما فعله الدكتور طه حسين، في كتابه في الأدب الجاهلي، وصاحب كتاب في أصول الحكم. وصاحب كتاب مشكلة تأويل القرآن، لنصر حامد أو زيد وكذا صاحب كتاب « الخير الحاضر »، وكان وأخواتها، وسلطة الواقعية، لعبد القادر الشاوي، وغيرهم … لعبت هذه المؤلفات دورا في حراك هذا الجرح النرجسي، مطوعا الذهنية العربية للقيود بحقيقة التثاقف والاختلاف، وبناء التركيبة الجغرافية الجديد التي تفكك الخطاب الهويتي والتمثيلي، والوحدة، والمطابقة، لغرس التأويل في الواقع المضطهد وفي كل مجالات التوطين.
لذا ينبغي إحداث قطيعة مع كل القراءات الكلاسيكية القديمة.
– وتوجيه العناية إلى دراسة مشكلات التراث وربطه بالتحولات الاجتماعية، والجماعية، والفردية
– وتشجيع مختلف التخصصات والبحوث التي أجريت على التراث
– وضرورة تحرير التراث من النماذج السطحية الغربية الاستشراقية الكولونيالية، وما بعد الكولونيالية كما فعل إدوارد سعيد وهومي بابا
– تنمية الفكر المغالف، والخروج من التبعية إلى الإبداعية، ومن التقليد إلى التجديد.
مختبر اللغة والفكر فاس