أخبار الهدهد

هل ينجح نزار بركة في استعادة عذرية حزب الاستقلال وموقعه السياسي الوازن؟

mer 12 Juin 2019 à 10:53

حميد الشرقاوي
يعيش حزب الاستقلال حراكا تنظيميا فيما يشبه اليقظة السياسية، بعد أن أدخله زعيمه السابق حميد شباط في دائرة الكوما السياسية، ثمة انتعاش تنظيمي لا تعكسه فقط حركية الأمين العام للحزب ومواقفه، حركية تنظيمية لا تخطئها عين المتتبع، فروع تتجدد، منظمات موازية تستعيد هياكلها، صراع بين الحرس القديم والنخبة الجديدة التي جاءت مع آخر مؤتمر لحزب الاستقلال إلى القيادة، وهناك معايير أكثر ديمقراطية لإسناد المسؤولية ولحسم الاختلافات التي تعتبر من مظاهر الحياة والدينامية التنظيمية في أي حزب، فهل ينجح نزار بركة في إعادة الحزب العتيد إلى سابق أمجاده رغم تغير معطيات الواقع السياسي؟
هناك خطاب سياسي جديد داخل أقدم حزب سياسي بالمغرب، مهما كنا مختلفين حوله، يبدو متماسكا، منطقيا ومقنعا، ويمتلك شرعية حجاجية ومبنية على الأرقام والإحصائيات وعلى مرجعية فكرية متينة، خارج الغوغائية والشعبوية، ولفهم ما يحدث داخل حزب الاستقلال، علينا أن نستوعب ما حصل للتنظيم الحزبي في المرحلة السابقة، فخارج الحضور الإعلامي من خلال شخص الزعيم السابق، المبني على المفرقعات والشعبوية الساذجة والشعارات الغرائزية التي سادت مرحلة سياسية مهمة بالمغرب مع الرباعي: عبد الإلاه بن كيران، إلياس العماري، حميد شباط وإدريس لشكر.. فإن التنظيم الحزبي الاستقلالي تعرض لعملية إفراغ ممنهجة وغير مسبوقة وهو ما انعكس على النتائج التي حصل عليها حزب الاستقلال في الانتخابات.. فقد تراجع الحزب إلى المرتبة الثالثة ب47 مقعدا برلمانيا في انتخابات 2016 بدل المرتبة الثانية ب60 مقعدا في الانتخابات السابقة على عهد عباس الفاسي في 2011، رغم أن الحزب كان يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، أما نتائج الانتخابات الجماعية فكانت كارثية حيث لم يحصد حزب الاستقلال سوى 5106 مقعدا عام 2016 متراجعا بنسبة 186 بالمائة عن الانتخابات السابقة، وهو ما أفقد الحزب تسيير العديد من المدن الرئيسية..
غرق التنظيم الحزبي في شرنقة الحلقيات الضيقة، وتهميش الكفاءات والقبول بالرحل من أحزاب أخرى للترشح باسم حزب الاستقلال بل واحتلال مراكز متقدمة في قيادة الحزب العتيد، بالإضافة إلى إعمال آليات الطرد والتوقيف وتجميد العضوية في اتجاه المعارضين والمخالفين للجنة التنفيذية والمتحلقين حول الزعيم بشكل خاص..
وبرأي قيادي استقلالي، فقد نجح شباط فيما لم ينجح فيه النظام السياسي لعقود طويلة وبكافة الوسائل في تفكيك التنظيم الحزبي، وتعاقد مع العائلات الكبرى من أمثال قيوح بسوس وآل الرشيد بالصحراء، وآل الدويري بفاس، واحجيرة في الشرق، قبل أن ينقلب عليه ويصبح حجيرة ذاته مهددا بتجميد العضوية والطرد بالإضافة إلى كريم غلاب وياسمينة بادو، وفصّل التنظيم الحزبي على المقاس وحشد المسيرات المليونية على حد تعبير شباط نفسه بجماهير مستعارة تنتقل بين الأحزاب بمقابل مادي فقط في محاولة استعراض للقوة لم تعكسها نتائج الانتخابات الأخيرة..
أما على مستوى الخطاب السياسي فقد الخطاب المتزن عما كان عليه الأمر مع كبار قيادات الاستقلال وصغارهم من علال الفاسي والطريس وبوستة إلى مولاي محمد الخليفة وعباس الفاسي… إلى مستنقع الشعبوية وقول الشيء ونقيضه بشكل كاريكاتوري يجر عليه السخرية المرة، فاليوم يتهم حزب العدالة والتنمية بأنه داعشي، وحزب « الندالة والتعمية »، ورئيس الحكومة عميل للموساد أتى لتخريب الدولة، وفي الغد يمدح بن كيران ويصفه بالرجل النزيه وأنه السياسي الوحيد النظيف بالمغرب، كأن للمغاربة ذاكرة الذباب التي تنسى بسرعة فائقة… واليوم يشارك في الحكومة ويدافع عن منجزات الأغلبية الحكومية وفي اليوم الموالي ينسحب منها بقرار يفتقد للحساب السياسي الدقيق، ويقول فيها ما لم يقله مالك في الخمر… ثم يعود متوددا إلى بن كيران ليكون ضمن أغلبيته في الولاية الثانية.
في أقل من سنة من انتخاب القيادة الجديدة، نجح نزار بركة الذي جاء إلى الأمانة العامة لحزب الاستقلال حاملا لشعار إعادة الثقة والتعاقد، في تخليق العمل الحزبي وإعادة الاعتبار للفكر والتحليل العلمي للظواهر والوقائع السياسية، واستعادة نخبة الحزب ثقتها في إمكانية إعادة القوة التنظيمية والإشعاع السياسي لحزب الاستقلال.. واستقطب الحزب أطرا جديدة ذات تكوين عال، لكن هل تسمح بنيات حزب الاستقلال التنظيمية الحالية في إدماج النخب الجديدة؟
وإذا استطاع نزار بركة إعادة الاعتبار للمشروع الفكري الاستقلالي، وبناء خطاب واقعي وازن، يؤمن بالطبقة الوسطى باعتبارها صمام أمان المجتمع المغربي لنجاح مغامرة التحديث والدمقرطة والتنمية، فإن معركته التنظيمية في تحديث الآلة الحزبية بدون شك لن تسير بنفس الوتيرة، فهناك الإرث الثقيل للمرحلة السابقة، والمستفيدون من الريع الحزبي وفاعلون وازنون يخشون تأثير الإستراتيجية الجديدة للقيادة الجديدة على دائرة نفوذهم ومصالحهم، رغم أن نزار بركة يعلق مصدر حزبي لم ينهج أي سياسة انتقامية اتجاه رموز المرحلة السابقة، وكلما تعقدت الأمور بين الأطراف المتصارعة يُشهر ورقة الاحتكام للتصويت كما حدث في اللجنة التحضيرية للشبيبة الاستقلالية..
ثمة رهانات أخرى مطروحة على نزار بركة والقيادة الجديدة لحزب الاستقلال في أفق الاستحقاقات القادمة التي ستشكل مختبرا حقيقيا لمنجز زعيم الاستقلاليين، وتتمثل أساسا في إعادة ربط التنظيم الحزبي بالمجتمع، وتقوية الإعلام الحزبي ليواكب التطورات الحاصلة اليوم بعد تراجع الإعلام الحزبي عامة في جانبه الورقي، وإسناد المنظمات الموازية والروابط وباق القطاعات التنظيمية التي كانت قد أصبحت مثل فزاعات حقول جرداء، فهل ينجح نزار بركة في تحقيق الآمال التي علقها عليه من وثقوا به كزعيم للاستقلاليين كل الاستقلاليين وليس زعيم فئة منهم فقط؟
إذا كانت البداية مضمونة النتائج ومشجعة على السير في في الاتجاه الصحيح فإن العبرة بالخواتم..