أخبار الهدهد

أحزابنا العتيدة من تنظيمات ديناصورية إلى فزّاعات حقول جرداء

jeu 5 Sep 2019 à 10:48

‭ »‬يموت‮ ‬الجبناء‮ ‬قبل‮ ‬موتهم‮ ‬الأخير، ‬أما‮ ‬الرجال‮ ‬الشجعان فيبقون‮ ‬أحياء‮ ‬حتى‮ ‬بعد‮ ‬موتهم‮ »‬ وليام شكسبير‮

عبد العزيز كوكاس
هناك علاقة وطيدة بين الظاهرة الحزبية والنظام السياسي، فشكل هذه الظاهرة وطبيعتها البنيوية ومسار تطورها يحيلنا على طبيعة النسق السياسي وطبيعة الحياة السياسية في أي بلد، لذا لا يمكن مقاربة الظاهرة الحزبية بمعزل عن سياق تطورها وعن التربة التي احتضنتها بحكم الارتباط‮ ‬العضوي‮ ‬بين‮ ‬الأحزاب‮ ‬والواقع‮ ‬السياسي‮ ‬والمجتمعي‮ ‬الذي‮ ‬نبتت‮ ‬فيه،‮ ‬والمغرب‮ ‬ليس‮ ‬استثناء‮.‬
من هذا المنطلق وتأسيسا عليه يجب فهم طبيعة تفكك الأحزاب المغربية وعدم قدرتها على تجاوز تناقضاتها التنظيمية والسياسية، ليس كظاهرة منفصلة من جهة عن النظام السياسي، ومن جهة أخرى عن سياق تطور هذه الأحزاب في تربة مجتمعية محددة.
فللأسف لم تستطع أحزابنا النجاح في التمرين الديمقراطي بدرجات متفاوتة ولأسباب متباينة، فقد لجأ الحكم مبكرا إلى القمع الوقائي ضد الأحزاب المنافسة عبر تكتيكين متوازيين:
– تكتيك استبعادي ضد مكونات الحركة الوطنية والمكونات المتناسلة عنها.
– تكتيك استيعابي تجاه مقاطع متعددة من النخبة التي استعملت في أحزاب شكلية كإطارات واقية زمن الصراع السياسي، ونجح بالتالي في التحكم في الخريطة السياسية عبر آليتي التدمير والإدماج، ونجح النظام في خلق مهام و »وظائف سامية » جعلت مقاطع كبرى من النخبة تستفيد من العمل السياسي اجتماعيا وتنتفع ماديا ورمزيا، هذه الوظائف ربطت مسار هذه النخب بعجلة النظام، وسهرت أجهزته على خروج الكل راضيا من « معركة » الصراع السياسي، شريطة عدم تحول المنهزم أو المنتصر إلى خصم جذري، لذلك نلاحظ مع أي تعديل أو تغيير في المناصب الرسمية، هناك منصات شرفية تنتظر « المنهزمين »، قاعة باردة للانتظار‮ ‬تزداد‮ ‬انفتاحا‮ ‬مع‮ ‬مشهيات‮ ‬كل‮ ‬مرحلة‮ ‬من‮ ‬المسلسل‮ ‬الديمقراطي‮ ‬إلى‮ ‬التوافق‮ ‬والتناوب إلى الإجماع بتعاقد وبدونه‮…‬
هذه الخطوة لم تنج من مآزق، خاصة مع حلاوة مشهيات المسلسل الديمقراطي وازدحام قاعة الانتظار بأطر لم تجد لنفسها مقعدا، وعدم قدرة المخزن على إشباع رغبات نخب انفتحت شهيتها أكثر من اللازم، خاصة مع تجاوز نظام الحكم للمغرب، ما يصفه هنتينجتون « بأولوية توافر النظام العام الشرعي والاستقرار السياسي »، لأن السلطة السياسية نجحت في الحفاظ على السند الشرعي وتحقيق إجماع شبه مطلق حولها، وظلت الأزمة الأساسية ليست هي إنشاء السلطة، بل الرقابة عليها لعدم وجود اتفاق وتعاقد واضحين بين الفاعلين المركزيين حول قواعد اللعبة السياسية.
قدرة النظام السياسي بالمغرب على دمج العديد من النخب التي أفرزتها عملية التحديث والتقليل من التناقضات المجتمعية عبر آليات الضبط والترويض أو التكييف أو توسيع المشاركة نسبيا والانفتاح الديمقراطي أحيانا، أو ربط مصالح هذه النخبة بعجلته أو بقمعها وتفكيكها أو الاستجابة الجزئية لبعض مطالبها بالشكل الذي يمكن النظام من التكيف مع الوضع الجديد، جعل للمخزن زبناء جدد حتى داخل الأحزاب الوطنية التي رفعت شعار التحديث والديمقراطية وسعت لاقتسام السلطة مع مركز القرار، ومع تطور مسار هذه النخب الحزبية، تحولت الأحزاب الأصيلة في المغرب من نمط الحزب التعبوي الذي يساهم في التنشئة السياسية إلى أحزاب متكيفة مع اتجاهات الواقع، أي المحافظة على القيم التقليدية عوض خلق قيم العقلانية، قيم العمل، دمقرطة السلوك والعلاقات، وطبقت النخب النافذة في أحزابنا، والتي تعرضت للقمع والاستبداد، إزاء معارضيها، داخل الحزب الواحد‮ ‬نفس‮ ‬أنماط‮ ‬ومستويات‮ ‬القمع‮ ‬الذي‮ ‬تعرضت‮ ‬له،‮ ‬وبذلك‮ ‬ساهمت‮ ‬في‮ ‬إعادة‮ ‬إنتاج‮ ‬نفس‮ ‬العلاقات‮ ‬غير‮ ‬الديمقراطية‮.‬
هذا المسار جعل الأحزاب المعارضة تنتقل من دور تجميع مصالح أوسع الفئات الاجتماعية باعتبارها مشتلا للأطر، إلى القيام بدور توزيع المنافع وتنظيم تقسيمها بين الاتجاهات النافذة وسطها، وعوض تقوية وظيفة التعاقد بين مختلف منخرطيها على أساس إيديولوجي مشترك تحولت إلى إطار لإشباع رغبات بعض الأطر دون تنظيمها أو عقلنتها، مما ساهم في قلب سلم القيم النضالية وشجع على بروز أدوار جديدة: الفساد، تحول مناصب التسيير والمسؤولية العمومية إلى مصدر للثراء الشخصي، يمكن الوقوف على هذا البعد من خلال نسبة المعطلين في الانتخابات المحلية ترشيحا ودعما، ظاهرة الرحل‮ ‬في‮ ‬البرلمان‮ ‬والأحزاب،‮ ‬طبيعة‮ ‬الزبناء‮ ‬السوسيو‭-‬ديمغرافيين‮ ‬الجدد‮ ‬لأحزابنا‮…)‬
هذا البعد أدى إلى جو من التذمر وسط المناضلين بحكم اعتبار القيادات الحزبية أن المزيد من توسيع مجال المشاركة في صنع القرار يعتبر تهديدا للقيم المتواطأ حولها، وأصبحت الأطر الهامشية تعزف عن المشاركة الحزبية، إما لعدم اقتناعها بمردودية هذه المشاركة، أو لأن طموح التدرج في المواقع‮ ‬التنظيمية‮ ‬والسياسية‮ ‬غير‮ ‬مرتبط‮ ‬برغباتها،‮ ‬وليس‮ ‬محددا‮ ‬بكفاءاتها‮ ‬ومردوديتها،‮ ‬بل‮ ‬هناك‮ ‬اعتبارات‮ ‬أخرى‮ ‬مثل‮ ‬الأصول‮ ‬والواقع‮ ‬الطبقي‮ ‬أو‮ ‬الولاء‮ ‬التنظيمي‮ ‬بل‮ ‬حتى‮ ‬الوراثي‮!‬
هكذا شكلت هذه العوامل المجتمعية وضعية جديدة داخل أحزابنا السياسية، التي تحولت من معادلة التنافس والصراع مع الحكم، إلى التنافس والصراع على حقائب الحكومة، ومن التنافس حول توسيع المشاركة في صنع القرار، إلى التنافس من أجل النفوذ في مؤسسات الدولة (إدارة، حكومة، برلمان، جماعات محلية…)، هذا التحول انعكس على لائحة المطالب الأساسية للتحديث التي رفعتها الأحزاب الأصيلة في المغرب، أقصد الأحزاب المستقلة في نشأتها عن الدولة ذات الامتداد التنظيمي في قلب المجتمع، فمن مناهضة الحكم الفردي الاستبدادي إلى وضع المعركة الدستورية على رأس لائحة المطالب، ومن المجلس التأسيسي إلى قبول الدستور الممنوح والانتقال إلى أن العطب ليس في الدستور، وإنما في الانتخابات، إلى غض الطرف نهائيا عن تعديل الدستور، بل المطالبة بإبقاء أكثر الفصول مثارا للجدل أو المطالبة بحذف أحد فصوله الديمقراطية لمجرد أنه يقصيها من رئاسة الحكومة بسبب تراجعها انتخابيا،الشيء الذي لا يساهم في تحديد الأدوار بشكل واضح من خلال توازن السلط، وذلك للاحتماء بالنظام من فاعلين جدد في‮ ‬الساحة‮ ‬السياسية،‮ ‬ويتعلق‮ ‬الأمر‮ ‬بالحركة‮ ‬الإسلامية،‮ ‬وتم‮ ‬الانتقال‮ ‬من‮ ‬رفض‮ ‬هيمنة‮ ‬التقنوقراط‮ ‬إلى‮ ‬المطالبة‮ ‬بعدم‮ ‬مزاحمتهم‮ ‬للسياسي‮ ‬أو‮ ‬طغيانهم‮ ‬في‮ ‬مراكز‮ ‬القرار‮ ‬إلى‮ ‬تلوين‮ ‬التقنوقراطي‮ ‬بصباغة‮ ‬حزبية‮!‬
هذا التحول أدخل أحزابنا بؤرة التوتر، ومع عدم ربط القيادة لأحزمة السلامة لاتقاء اهتزازات الاختبار الديمقراطي تفرقت الملل والنحل، وتحول الحزب الواحد إلى أحزاب تخرج من الصلب والترائب، أحزاب مستنسخة حد المسوخ، رغم نبل بعض أطرها.. لم تستطع خلق بديل قوي بسبب الخصاص الديمقراطي مجتمعيا وسياسيا، وزادت علاقات السيطرة والتبعية الشخصية وتضخيم المشروعية التاريخية للزعيم وفي مرحلة تالية النفوذ التنظيمي للزعيم حتى على رأس حزب أضحى مجرد هيكل عظمي، من حجم تفكك أحزابنا التي لم تستطع مواكبة التطور المجتمعي الذي ولد جماعات جديدة لم يستطع التشكل الحزبي استيعابها ولا القدرة على تلبية حاجاتها، خطابا وممارسة.. وأمام اتساع دائرة استقلال الفرد المغربي مع احتكاك المواطن بالإدارة، وتدفق المعلومات وتطور وانتشار التعليم وتعدد مصادر التكوين والمعرفة.. حدثت طفرة في إدراك المواطن المغربي لذاته في علاقته بكل أشكال السلط، لذلك سيحتاج الفاعل السياسي الغارق في جبة الاستعلاء عن‮ ‬نبض‮ ‬الشارع‮ ‬إلى‮ ‬فهم‮ ‬الحركة‮ ‬المدنية‮ ‬التي‮ ‬رافقت‮ ‬العديد من القضايا الاجتماعية،‮ ‬وإلى‮ ‬أحزمة‮ ‬الدفاع‮ ‬التي‮ ‬بدأت‮ ‬تنشأ‮ ‬في‮ ‬بعض‮ ‬المداشر‮والقرى النائية ‬والأحياء‮ ‬الهامشية وحتى في قلب الحواضر التي اعتدنا تواجد الخلايا الحزبية فيها لتأطير وتوجيه وتوظيف أي حركية اجتماعية، مجموعة القضايا هاته التي ترفع مطالب جزئية وخاصة بالمنتسبين إليها تحاول الابتعاد دوما عن الهيمنة الحزبية والنقابية أيضا، حتى أضحى المجتمع ينظم نفسه في أنوية للتعبير عن مطالبه وحقوقه دون أي تأطير حزبي‮!‬
هذه‮ ‬العوامل‮ ‬مجتمعة‮ ‬جعلت‮ ‬مراكز‮ ‬القرار‮ ‬الحزبي‮ ‬تتربع على فزاعات لحقول جرداء لذلك تفرغت للاحتراب فيما بينها وحولت أحزابها إلى أصل تجاري وحده الزعيم يملك مفاتيحه ويرش حوارييه وأتباعه بما تساقط من متاع المناصب الدنيا الزهيد، لذلك أضحت تنظيمات محرومة من ماء الحياة.. الجماهير والنخب المنتشرة في المجتمع والذي لم تعد تجد ذاتها في قلب هذه التنظيمات، وجعل التنظيمات الحزبية التقليدية معزولة عن أي امتداد اجتماعي وبدون سلاح سوى الابتزاز والتفاوض حول الحصص الصغرى بلا أجنحة أو امتداد في عمق المجتمع وبلا مشاريع سياسية أو اجتماعية، وأضحت تتفرج على واقع متحول تعجز عن إدراكه وبالأحرى تأطيره، غير‮ ‬قادرة‮ على الانخراط فيه لأنها مطعون فيها كدكاكين انتخابية ولعل حراك الريف أكبر دليل على ما آلت إليه التنظيمات الحزبية التقليدية…