أخبار الهدهد

معنينو يكشف اللحظات الأخيرة قبل إعفاء البصري: كان وحيدا ومنهكا ويتجسس عليه البوليس الذي كان يرأسه

mar 19 Nov 2019 à 13:44

في كتابه الصادر حديثا، الجزء السادس من مذكرات « مغرب زمان » كسف الصحافي الكبير الصديق معنينو، عن الكثير من أسرار المرحلة الأخيرة من حكم الحسن الثاني وبداية العهد الجديد، وقد اخترنا في الهدهد بعد الحديث عن وصية الحسن الثاني بحفر قبره وهو حي، حديث معنينو عن الايام الأخيرة لادريس البصري الرجل القوي في الدولة قبل أن يعفيه محمد السادس بيومين فقط:

في مدخل « غولف بن سليمان »، وجدت البصري قد أنهى رياضته
المفضلة، ويستعد للمغادرة. ملاحظتي الأولى هي أنه لم تكن تحيط به كالعادة مجموعة الأشخاص أو الشخصيات، التي ألفت الحضور إلى « الغولف »، والبحث عن إمكانية الحديث معه، بل لم تكن هناك كوكبة خدامه ومساعديه الذين ألفوا العناية به لتوجيه الضربات، وجر سلة العصي، والاستفادة من كرمه وعطاءاته.
كان « الغولف » فارغا، حتى اللاعبون التقليديون اختفوا ذلك الصباح، وباستثناء سائقه ومعارفه، كان الفراغ يحيط به، هو الذي اعتاد التحرك في « غولف دار السلام » أو حتى « غولف بن سليمان » وسط حشد من المتطلعين إلى لقائه.. وزراء وضباط.. عمال وصحافيون.. برلمانيون ورجال أعمال.. متملقون ومنافقون. هذا الصباح شعر البصري بأنه أصبح وحيدا، وأن محيطه التقليدي قد تخلى عنه وأن كل التطورات ممكنة بعد كثرة القيل والقال.
بدا الرجل مرهقا، ابتسامة مريضة على محياه، وصمت غير مألوف يضاعف من قلقه.. حين تقدمت للسلام عليه، طلب مني أن أعطي مفاتيح سيارتي لسائقه وأن أمتطي سيارته، سيارة المرسيديس العملاقة، سيارة وزير الدولة في الداخلية. ما أن جلست في المقعد الأمامي إلى جانبه حتى فوجئت لأنني شاهدت نسخة من القرآن الكريم، موضوعة على مقدمة السيارة، ورغم ركوبي في هذه السيارة عدة مرات فإني لم أر هذا القرآن أبدا.
أثار انتباهي بعد ذلك، أنه عندما صعد للسيارة أخرج من جيبه هاتفه النقال وفتحه وغير الشريحة الإلكترونية التي تتحكم في الهاتف وتعطيه رقم الاستعمال، لم يكن الرجل مضطربا وهو يقوم بهذه العملية، بل وجد صعوبة في إخراج تلك الشريحة وتغييرها بأخرى، ومعنى ذلك أنه عوض رقما هاتفيا برقم آخر. تساءلت لماذا هذا الاحتياط؟ هل شعر البصري أن هاتفه تحت الاستماع؟ أم أن تربيته الأمنية جعلته يحتاط فيزيد من عناء الذين ألفوا متابعة مكالماته.
عند دخولي إلى بيته لاحظت بجانبه وقوف شخصين، أحدهما كان يدخن، والثاني كان يتحدث في الهاتف، كان حضورهما لافتا وتخيلت أنهما من الشرطة… ووجدت أحد مساعديه من الشباب، والذي سبق لي أن رأيته في مكتبه وبيته. كان شابا وسيما، هادئا، طويل القامة، يجلس وحيدا وسط بيت فارغ، أمام طاولة وضع عليها عدد من الوثائق في ملفات كل واحد منها له لون، لم يكلمه الوزير ولم يسأله بدوره.
جلسنا في الجانب المغربي التقليدي من البيت، وشعرت بأن البصري يود أن يسألني، ويود معرفة الأخبار والكواليس والشائعات، ومن خلال كل ذلك كان يود أن يطمئن، غير أنني لم أكن على علم بمجريات الأمور، باستثناء أن الملك في مراكش، وأن تعديلا حكوميا على الأبواب، وأن تغييرات منتظرة قد تمس بعض المناصب العليا في الدولة.
سألني البصري بصوت خافت عن الأخبار، وبسرعة تصورت نوع الأخبار، التي يود سماعها، ولكني لم أكن أتوفر على معلومات مؤكدة من أوساط مسؤولة، أو مصادر تتمتع بالمصداقية، لذلك أجبته بكلام عام يفهم منه أننا مقبلون على تغييرات أساسية في الرجال وأساليب الحكم.
في تلك اللحظات، لم أكن أتصور أنه بعد يومين من لقائنا سيتم استدعاؤه إلى مراكش وإخباره بأنه لم يعد وزيرا للداخلية.. في ذلك الصباح كنا ثلاثة في ذلك البيت.. الوزير.. وكاتبه الخاص الذي سيتم الاحتفاظ به في وزارة الداخلية، بل ستتم ترقيته، وكنت ثالث الحضور، لذلك لم يهيئ البصري شايا كعادته، بل لم يأخذ حماما بعد رياضته المفضلة.