أخبار الهدهد

السيدة الحرة أميرة البحار أو « عيشة قنديشة » حسب الذاكرة الشعبية

dim 1 Déc 2019 à 15:30

هي عائشة بنت الأمير علي بن راشد الحسني تزوجت من القائد أبي الحسن المنظري حاكم تطوان، وبعد وفاته تولت حكم المدينة لمدة 30 سنة من 1510 م إلى 1542 م ، ثم تزوجت ثانية بالسلطان أحمد الوطاسي زواجا سياسيا وقد اتصفت بكونها قائدة للجهاد ميالة إلى الحروب، وقد كتب عنها عبد القادر العافية كتابا بعنوان « أميرة الجبل الحرة » وذكر أن حكم الست الحرة لتطوان تميز بسمات خاصة منها: « استقلال هذه السيدة بالحكم في هذه المدينة وإقليمها لفترة طويلة من الزمن، وجود مركز حكمها في منطقة حساسة تشرف على ملتقى الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي قريبة من أوربا، وجود إقليم حكمها بين عدة ثغور محتلة احتلالا أجنبيا ويواجه أخطارا محدقة من جميع الجوانب، وجود حكومتها في عصر كانت تتصارع فيه الإمبراطوريات العظيمة في الشرق والغرب من أجل تركيز نفوذها على المناطق الإستراتيجية بالعالم، » وكانت منطقة تطوان بحكم موقعها في غرب الأبيض المتوسط وبحكم وجود عدد من المهاجرين الأندلسيين بها، وبحكم تزعمها في هذه الجهات لحركة الجهاد في البر والبحر ضد المسيحيين، تمثل الجدار الواقي للمغرب، لهذه الإعتبارات وغيرها كانت هذه المنطقة مطمعا وهدفا للقوات المتصارعة في هذه الفترة خاصة القوة العثمانية في الشرق التي بسطت نفوذها على معظم الساحل الجنوبي للأبيض المتوسط و في شبه جزيرة إيبيريا بزعامة الإمبراطور كارلوكينطو .
ولوجود هذه الظروف والملابسات يمكننا اعتبار حكم الست الحرة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ المغرب يتميز بسمات خاصة، وهذه السمات أضفت على حكمها لتطوان وإقليمها صبغة متميزة جعلت بعض الكتاب والمؤرخين يتحدثون عنها بكثير من الإعجاب.
ولعل هذه المميزات هي ما جعل السلطان أحمد الوطاسي يطلب ودها ويدها معا لتصبح له زوجة وحليفا، فالسيدة الحرة أرعبت الإسبان وقد كتب عنها الكاتب الاسباني سبستيان دفركاس، « أنها كانت شديدة الإنفعال، ففي إحدى المناسبات تشاجرت مع ألفونسو حاكم سبتة فلجأت إلى العنف والحرب لأنها كانت شديدة الإندفاع وميالة إلى الحروب، وأنها كانت مهتمة بتجارة الرقيق من المسيحيين على مستوى عال، وكانت سفنها تجوب البحار، وكانت المراكب الجزائرية تلقى حفاوة بمرسى تطوان ».
فالسيدة الحرة لم تتناولها المصادر المغربية ولم توليها الأهمية اللازمة، و لعل الاهتمام الوحيد بمنجزاتها كان من طرف إبنها ابن عساكر في كتابه « دوحة الناشر »، و من مظاهر جهل المغاربة بشخصيتها إطلاقهم عليها لقب « عيشة قنديشة » وهي تحريف للقب الإسباني الذي حملته « كونتيسة » وحولوها إلى شخصية مرعبة في التاريخ لإخافة الناس وإيهامهم بظهورها في صورة امرأة مفزعة في الأماكن الخالية، ويعود هذا الوصف لما لف شخصيتها من غموض حيث حيكت حولها الأساطير، فقد كان لها أسطول كبير يجوب البحر الأبيض المتوسط للتجارة خاصة في الرقيق الأوربي، مما خول لها أن تربط علاقات خارجية خصوصا مع جيرانها الجزائريين والإسبان. فقد سجل لها التاريخ الغربي مساعدتها لحاكم الجزائر « بارباروسا » عند قيامه بالجهاد البحري، ومساعداتها للإسبان والبرتغال الذين عقدوا معها علاقات تعاون لقوتها ونفوذها من أجل إطلاق سراح أسراهم.
وعند زواجها من الخليفة أحمد الوطاسي قدم لها صداقا يشتمل على عشرين مملوكة من رقيق السودان، وعلى أربعة آلاف أوقية من النقرة المسبوكة ثم على أنواع من أفخر الثياب والملابس وغيرها مما يوضح مكانتها وقيمتها الاجتماعية الرفيعة، وقد ظلت متحكمة في تطوان وداعمة للسلطان، إذ أسهمت في توجيه الجند لقمع حركات التمرد، وردت الأطماع الأجنبية عن المغرب إلى أن هاجمها في تطوان محمد الحسن المنظري الباجي الأندلسي بسبب خلافات عميقة مع السلطان أحمد الوطاسي، وطرد الست الحرة بعد أن جردها من أملاكها، وفي 22 أكتوبر من سنة 1542 أعلن استقلاله عمليا عن سلطان فاس.